خطبة الجمعة التي ألقيتها في المركز الإسلامي في جاتينو كانت بعنوان: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا (الملك: 2). وهو وصف مُدهش لحقيقة الوجود الإنساني: الله لم يخلق الحياة للراحة ولا للعبث بل للاختبار — اختبار قائم على معيار واحد: “أحسن عملا.”
وحين تتأمل هذا المعيار القرآني تجد فيه أساسا لما نُسمّيه اليوم في علم الإدارة “قياس الأداء.” الله ذاته يُقيّم، والمعيار هو الجودة لا الكثرة، والإحسان لا الحجم.
الله كأول مُقيِّم: درس من القرآن
في سورة الملك يقول الله: تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا. ثم في سياق السماوات يقول: فارجع البصر هل ترى من فُطور. ثم ارجع البصر كرّتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (الملك: 3-4) — وكأن الله يُقدّم إبداعه ويدعو العقل البشري للتقييم: انظر وتأمل وأخبرني إن رأيت عيبا.
هذه الآيات تُرسّخ مفهوما لافتا: التقييم ليس تجاوزا على المخلوق بل هو مطلوب ومشروع. والله الذي خلق يدعوك إلى التمحيص لا إلى القبول الأعمى.
نوعان من قياس الأداء
قياس الأداء في علم الإدارة الحديث نوعان، وكلاهما حاضر في القرآن والسنة:
القياس الكمّي: يُقيس الحجم والعدد. والقرآن يذكر الحسناب الكمّي: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء. وفي الحديث: “ما من مسلم يزرع زرعا إلا كان ما أُكل منه له صدقة.”
القياس النوعي: يُقيس درجة الجودة ومستوى الرضى. والقرآن يُقدّم معياره القيمي: “أحسن عملا” لا “أكثر عملا.” والمؤمن مرآة أخيه — وهو ما يُسمّيه علم الإدارة “استطلاع رأي أصحاب المصلحة” أو stakeholder feedback.
تطبيق على الحياة المجتمعية
المحاسبة بالمعنى الإسلامي ليست فقط محاسبة فردية بل يمكن أن تكون مؤسسية وجماعية. وإليك تطبيقها على المؤسسة الدينية ذاتها:
جودة الخطبة: كم خرجنا من صلوات الجمعة بشيء حقيقي عدّل تفكيرنا أو سلوكنا؟ كم مرة جلس الخطيب ليسأل: ماذا يحتاج سامعوه؟ وماذا يُخرجون بعد خطبتي؟ تقييم جودة الخطبة ليس إساءة للإمام بل أمانة تجاه المصلّين.
التعليم الديني: الدروس والمحاضرات في المساجد والمراكز — ما معيار تقييمها؟ هل هو شهرة الشيخ؟ أم الأثر الفعلي في حياة الحاضرين؟
العلاقات الزوجية والأسرية: التقييم لا يعني الإحصاء العاطفي البارد بل محاسبة النفس: هل أُحسنت في أداء واجبي؟ هل يجد الطرف الآخر مودة ورحمة فعلية أم فقط وجودا شكليا؟
النشاط الشبابي: هل نشاطنا مع الشباب يُنتج جيلا مُتجذّرا في هويته قادرا على التعامل مع العالم؟ أم نحن نُعيد إنتاج أنماط لا تُفيده في واقعه؟
المحاسبة الجماعية كعبادة
ما يُميّز الإطار الإسلامي هو أن المحاسبة الجماعية ليست مجرد أداة إدارية بل هي عبادة. “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا.” والشدّ المتبادل يستلزم أن يُقيّم كل طرف الآخر ويُقدّم له النقد الصادق بالرحمة والحكمة.
وهذا ما كان عليه المجتمع النبوي الأول: الصحابة كانوا يُناقشون القرارات ويُخالفون حتى النبي أحيانا في المشاورة. وهذا المناخ من النقد البنّاء هو ما أنتج نموذجا متفوقا.
خاتمة
الوقوف بين يدي الله في يوم الحساب هو لحظة التقييم الكبرى. لكن الله جعل لنا قبلها مدرسة في الحياة الدنيا: المحاسبة اليومية للنفس والتعاهد الجماعي على الإحسان. وأداة هذا كله هي السؤال البسيط العميق الذي يُجيب عنه هذا الوجود كله: أيّكم أحسن عملا؟
KPI إسلامية: ما الذي نقيسه في حياتنا؟
لو أردنا تطبيق منطق قياس الأداء الإسلامي على حياتنا بصورة عملية، ما هي المؤشرات التي يجب أن نتابعها؟
في العلاقة مع الله: ليس عدد الركعات بل جودة الحضور. النبي صلى الله عليه وسلم قال “خير الصلاة أطولها قنوتا” — والقنوت هو الخشوع الذي يعكس عمق الصلة لا مجرد الأداء الشكلي.
في العلاقة مع الأسرة: ليس عدد ساعات الحضور في البيت بل جودة التواجد. أن تكون جسدك حاضرا لكن عقلك وقلبك في مكان آخر ليس حضورا حقيقيا. الرسول قال “خيركم خيركم لأهله” — والخيرية موقف نوعي لا حضور كمّي.
في العمل المهني: ليس عدد الساعات بل جودة الإنجاز والأثر الفعلي. الإتقان الذي أحبّه الله لا يُقاس بالوقت المُنفَق بل بمستوى ما أُنجز.
في المجتمع: ليس عدد الخطب والمحاضرات بل التغيير الفعلي في سلوك الناس. الخطيب الذي يُلقي مائة خطبة دون أن تُغيّر شيئا أقل أثرا من معلم يُعلّم عشرة أطفال تغييرا حقيقيا.
مؤشرات الرضا المجتمعي في السنة النبوية
من أبرز ما في التراث النبوي نماذج لما نُسمّيه اليوم “استطلاعات الرضا.” كان النبي يسأل أصحابه عن احتياجاتهم وآرائهم. وحين جاءه الأنصار وقال: “ما أريد اليوم أن يقول أحدكم إلا ما رأى” — كان يُطلب الـ feedback الحقيقي لا المديح.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أبسط صوره هو نظام رقابة داخلية مجتمعية: كل فرد رقيب على المجتمع وكل فرد خاضع لرقابة المجتمع. هذا نظام قياس أداء شامل لو طُبّق بالروح الصحيحة.