نصّ الحديث

ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الدُّنْيَا مَتَاعٌ. وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ”.

وقد ورد الحديث أيضًا في صحيح ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو بن العاص، بهذا اللفظ: “إِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعٌ. وَلَيْسَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنَ المَرْأَةِ الصَّالِحَةِ”.

فهم خاطئ شائع

يظن البعض بأن هذا الحديث يستبطن إهانة للمرأة، إذ يعتبرها متاعًا يتمتع به الرجل أو الرجال، أو شيئًا يمتلكونه ويتصرفون فيه كما يريدون. ويرى البعض الآخر أن في هذا تكريمًا للرجل على حساب النساء، بحيث أن الرجل يمثّل خليفة في الأرض والمرأة متاع من جملة المتاع والرزق المسخّر للرجل.

وهذا في تقديري خطأ مردّه الخطأ في الفهم اللغوي لكلمة “متاع”.

المتاع: انتفاع وسرور لا تملّك

وحين بحثت في هذه الكلمة في معاجم اللغة وجدت أن المتاع هنا يُقصد به الانتفاع وإدخال السرور، وليس التملّك.

أي: أن الدنيا فيها منافع كثيرة وما فيها يمثّل مصدرًا للسرور. وأهمّ مصدر للنفع وللسرور في هذه الحياة الدنيا هي المرأة الصالحة.

المرأة الصالحة: نفع يعمّ المجتمع

أي أن المرأة حين تكون صالحة، فإن المنفعة التي تلحق بالحياة لا يضاهيها شيء، والسرور الذي ينشأ عن صلاحها لا يضاهيه سرور. وهذا مما لا يتحقق بمثل هذه الدرجة بصلاح الرجل وحده.

وهذا يعني أن أثر المرأة الصالحة لا يقتصر على البيت أو على العلاقة الزوجية، بل يمتدّ إلى دوائر أوسع بكثير. فالمرأة الصالحة تصنع بيئة صالحة، تُربّي أجيالًا واعية، وتبثّ في محيطها قيم الاستقامة والسكينة والعطاء. وحين يصف النبي صلى الله عليه وسلم المرأة الصالحة بأنها “خير متاع الدنيا”، فإنه يضعها في مرتبة تتجاوز كل ما في الحياة من منافع مادية ومعنوية. وهذا تقدير عظيم يرفع شأن المرأة ولا يحطّ منه.

الصلاح شرط التأثير

فالدنيا بجميع ما فيها: من رجال ونساء وكائنات ومخلوقات وأشياء، متاع يُنتفع به ويدخل السرور. غير أن أفضل ما فيها مما يحقّق المنفعة والسرور هو المرأة التي تتحلّى بمواصفات الصلاح.

والتأكيد على وصف “الصالحة” يشير إلى أن المسألة ليست مرتبطة بالجنس في ذاته، بل بالصفة الأخلاقية والروحية التي تُحوّل الوجود البشري إلى مصدر خير حقيقي. فليس كل امرأة “متاعًا” بهذا المعنى النبيل، كما أن ليس كل رجل يحقّق الخير بمجرد وجوده. إنما الصلاح هو الذي يُفعّل هذا الأثر الإيجابي ويجعله متاحًا للمجتمع بأكمله.

وليس في هذا الحديث ما يوحي بأن المقصود هو تمتّع الرجل بالمرأة. وإنما المقصود هو انتفاع المجتمع بأكمله بالمرأة الصالحة، وليس أي امرأة.

والله أعلم.