كارفور تونس والغضب الشعبي: بين الموقف المبدئي والفعل العشوائي

حادثة اقتحام الشاب للملعب ورفعه علم فلسطين، وانتزاع شعار شركة كارفور، حادثة رمزية أخرى تثير مشاعر متباينة بين مؤيد يراها موقفًا بطوليًا، ومعارض (مثلي) يراها مجرد تفريغ لشحنات الغضب. وبين هذين الطرفين، يبدو أن هذه الأفعال تكشف عن أزمة أعمق يعاني منها المجتمع التونسي اليوم.

شخصيا، أرى أن اللجوء إلى هذه الحركات لا ينبع بالضرورة من سوء نية، بل هو في كثير من الأحيان تعبير عن شعور بالعجز وانسداد الأفق.. عندما يعجز الناس عن التأثير الحقيقي في واقعهم الداخلي المتردي، يبحثون عن بطولات رمزية تمنحهم شعورًا زائفًا بالقوة والانتصار.

الحقيقة المُرّة التي أنطلق منها في نقدي لكثير مما يحدث في تونس هي أن هذه الأفعال (وعشرات بل مئات الأفعال الشبيهة التي رأيناها على مدى 15 سنة) لم تغيّر ولا تُغير شيئًا في الواقع، ولا تُحسّن من ظروف الناس.

هي أفعال تُشبه المسكنات التي تُخدّر الألم مؤقتًا، لكنها لا تعالج أصل المشكلة.. والأسوأ أنها قد تُلهي عن العمل الجاد والفعّال الذي يتطلب صبرًا وتنظيمًا وإصرارًا.

نعم، التعاطف مع القضية الفلسطينية واجب إنساني وأخلاقي، لكن تحويل هذا التعاطف إلى فعل حقيقي يتطلب وعيًا أعمق بواقعنا المحلي وقدرتنا على إحداث تغيير ملموس. التغيير لا يأتي من شعارات تُرفع ولا من حركات استعراضية، بل من عمل دؤوب ومتواصل لإصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل تونس أولاً، حتى نتمكن فعلاً من دعم القضايا العادلة بطرق أكثر تأثيرًا وفعالية.

هذه الحركات الرمزية ترتبط أحيانًا بأحداث أو قرارات تُثير الرأي العام، مثل الجدل القائم حول قرار سلسلة متاجر كارفور بفتح فروع لها في إسرائيل.

ولكن، هل فتح فروع كارفور في إسرائيل يُعد دعمًا لسياسات الدولة؟

فتح كارفور لفروعها في إسرائيل أثار ضجة كبيرة، إذ يعتبره البعض دعمًا صريحًا لإسرائيل وسياساتها، بينما يرى آخرون (وأنا منهم) أنه مجرد قرار تجاري بحت..

ما أدعو له بكل هدوء هو محاولة فهم أبعاد هذه القضية، والتفريق بين الجوانب الاقتصادية والسياسية لمثل هذه القرارات.

منطق الأعمال التجارية:

قرار كارفور بدخول السوق الإسرائيلي يبدو مدفوعًا باعتبارات تجارية واقتصادية بحتة.. الشركات الكبرى تبحث عادة عن فرص للتوسع في الأسواق الجديدة لتعزيز أرباحها وزيادة حصتها السوقية.. وإسرائيل تُعد سوقًا استهلاكيًا متطورًا نسبيًا، ما يجعلها وجهة جذابة للاستثمارات الأجنبية، تمامًا كما هو الحال مع أسواق أخرى حول العالم.

من هذا المنطلق، فإن فتح فروع كارفور هناك قد يُنظر إليه كخطوة اقتصادية لا تحمل بالضرورة أبعادًا سياسية.

هل لهذا التوسع التجاري دلالات سياسية غير مباشرة؟

نعم، ربما، يُنظر إليه كاعتراف بشرعية إسرائيل وكتجاهل لمعاناة الشعب الفلسطيني.. ولكن من يفكر بهذا المنطق، عليه أن يقاطع كل شيء بنفس المنطق: السيارات، التلفونات، التكنولوجيا، الفايسبوك، جوجل، وحتى ملابسه الداخلية..

هل فتح فروع تحارية في إسرائيل يمثل دعما مباشرا من كارفور مقابل تواجد تجاري؟

المعروف عن الشركات الكبرى أن فروعها في مختلف الدول هي مملوكة عادة لرجال أعمال محليين.. مثلا، في إسرائيل، دخلت “كارفور” السوق عبر شراكة مع شركة “إلكترا للمنتجات الاستهلاكية” الإسرائيلية وفرعها “يانوت بيتان”. في مايو 2023، افتُتحت أول 50 متجرًا لـ”كارفور” في إسرائيل، مع خطط لزيادة العدد إلى ما بين 80 و100 فرع بحلول نهاية العام. ​

في تونس والمغرب، وبقية الدول العربية،، تمتلك مجموعة “ماجد الفطيم” الإماراتية حقوق الامتياز الحصرية لتشغيل علامة “كارفور” التجارية. تأسست هذه المجموعة عام 1992، ويقع مقرها في دبي، حيث تدير مراكز تسوق ومحلات تجزئة ومؤسسات ترفيهية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ​

بالتالي، أي دعم أو تبرع في دولة من الدول ليس بالضرورة دعما من الشركة الأم..

مثلا، في بداية 2024، أعلنت شركة كارفور-الفطيم عن تبرعها بمبلغ 30 مليون جنيه مصري لدعم أهالي غزة.

إذن، ثمة فرق مهم بين فتح فروع في إسرائيل بدافع اقتصادي وبين تقديم دعم مباشر للحكومة الإسرائيلية أو الجيش الإسرائيلي. فإذا كانت كارفور تُقدم تبرعات مالية، أو تدعم بشكل صريح مؤسسات عسكرية إسرائيلية، أو تستثمر في المستوطنات غير الشرعية، فإن هذا يُعد انحيازًا سياسيًا واضحًا يتجاوز مجرد التوسع التجاري. ولمن هذا لم يثبت.. ولا أحد تمكن من إثبات ذلك.. ومع ذلك، يصدّق الجميع الإشاعات أكثر مما يحرصون على الحقيقة..

مقاطعة الفرع المعني، أم مقاطعة جميع فروع الشركة؟

سؤال مهم يب أن نسأله: هل من المنطقي تعميم المقاطعة على جميع فروع كارفور حول العالم، أم ينبغي الاكتفاء بمقاطعة الفرع المعني فقط؟

من يريد مقاطعة كارفور بسبب دعمها لإسرائيل، فالأولى أن يقاطع فرع كارفور في إسرائيل مباشرةً، حيث تُدار هذه الفروع من قبل شركة إسرائيلية محلية تُعرف بشركة إلكترا. أما فروع كارفور في تونس ومصر والمغرب والخليج فهي تُدار بشكل مستقل تمامًا من قبل مجموعة ماجد الفطيم الإماراتية، التي ليس لها أي ارتباط بقرار فتح الفروع في إسرائيل أو تقديم دعم سياسي أو عسكري لها.

تعميم المقاطعة على جميع فروع كارفور دون تمييز بين الجهة المالكة لكل فرع قد يُلحق الضرر باقتصادات محلية عربية لا علاقة لها بالقضية، ويضر بموظفين وعائلات لا يد لهم في قرارات الشركة الأم. بالتالي، فإن المقاطعة الذكية تستهدف الجهات المتورطة فعليًا في دعم إسرائيل، بدل أن تُحوِّل موقفًا مبدئيًا إلى قرار عشوائي يضر بأبناء المنطقة أنفسهم.

أعود لأختم بالقول:

لا يمكن تغيير الواقع بمواقف آنية أو شعارات رمزية، بل بالعمل الجاد لبناء مجتمع أكثر وعيًا وقوة قادر على التأثير الحقيقي في الداخل والخارج.