الفجوة بين النصّ والواقع

المرأة معزّزة مكرّمة في تعاليم الإسلام، ولكنها ليست كذلك — غالبًا — في واقع المسلمين.

وقد تسمع أحيانًا من يُحدّثك أجمل الحديث عن “مكانة المرأة في الإسلام”، وزوجتُه في بيته ليس لها أي مكانة من الرعاية والتكريم. وهذا مثَلٌ من أمثلة الافتراق الأليم الذميم بين الإسلام وبين أكثر المسلمين.

خطاب التكريم النظري

المشكلة ليست في النصوص، فالقرآن الكريم واضح في تكريم المرأة وإقرار أهليتها الكاملة وشراكتها في المسؤولية والجزاء. والنبي صلى الله عليه وسلم كان نموذجًا في التعامل مع زوجاته بالمودة والاحترام والمشاورة. المشكلة تكمن في أن كثيرًا من المسلمين حوّلوا تكريم المرأة إلى خطاب نظري يُستحضَر في المنابر والمحاضرات، بينما يغيب تمامًا في السلوك اليومي داخل البيوت والمؤسسات.

فتجد من يخطب الجمعة عن حقوق المرأة في الإسلام، ثم يعود إلى بيته ليمارس الاستبداد والتهميش. وتجد من يكتب المقالات عن “عظمة الإسلام في تحرير المرأة”، وهو يرى أن رأي زوجته لا قيمة له في أبسط القرارات الأسرية.

من التنظير إلى المساءلة

إن الفجوة بين القول والفعل في موضوع المرأة ليست مجرد تناقض فردي عابر، بل هي ظاهرة ثقافية متجذّرة تحتاج إلى مواجهة صريحة. فالثقافة السائدة في كثير من المجتمعات المسلمة ورثت تقاليد ما قبل الإسلام في التعامل مع المرأة، ثم ألبستها لباسًا دينيًا يمنحها شرعية زائفة.

والمطلوب ليس مزيدًا من الخطب عن “مكانة المرأة في الإسلام”، بل مراجعة حقيقية للسلوك الفعلي تجاه المرأة في الأسرة والمجتمع والمؤسسات. المطلوب أن ينتقل المسلم من التباهي بما يقوله الإسلام عن المرأة إلى تطبيق ما يقوله الإسلام فعلًا.

مسؤولية مشتركة

هذا الافتراق بين المبدأ والممارسة لا يقتصر على موضوع المرأة وحده، لكنه يتجلّى فيه بصورة صارخة لأنه يمسّ نصف المجتمع. وحين يرى غير المسلمين هذه الفجوة، فإنهم لا يحكمون على الإسلام من نصوصه، بل من سلوك أهله. وهذا يجعل مسؤولية كل مسلم مضاعفة: مسؤولية أمام الله في تطبيق العدل، ومسؤولية أمام العالم في تمثيل الإسلام تمثيلًا صادقًا.

إن تكريم المرأة ليس منّة يتفضّل بها الرجل، بل هو واجب ديني وأخلاقي، ومقياس حقيقي لمدى التزام المسلم بدينه. ومن لم يُكرّم المرأة في بيته فلا يتحدث عن تكريم الإسلام لها.