منذ أيام، انعقد في إطار حلقات الحوار الإسلامي المسيحي بكيبيك اجتماع حول موضوع “الجهاد في القرآن.” كنت غائبا بسبب السفر، لكن ما تلاه كان أكثر إثارة للتفكير مما كان سيكون في الاجتماع نفسه.

بعد اللقاء، راسلنا شاب مسيحي من أصل لبناني، مقيم حديثا في كندا، مُرفقا ملف وورد أعدّ فيه قائمة بالآيات القرآنية المتعلقة بالجهاد، مع ترتيب زمني مقترح، خلص فيه إلى أن الإسلام دين يدعو إلى العنف والإذلال لغير المسلمين، وأنه يتبنى مبدأ “تمسكّن حتى تتمكّن”، أي يدعو إلى السلم حين يكون في موضع ضعف وإلى الحرب حين يكون في موضع قوة.

وأشار مرارا إلى أنه “يعرف المسلمين ومعتقداتهم جيدا بحكم قدومه من منطقة الشرق الأوسط.”

أولا: في أسلوب حوار الأديان

قبل الرد على محتوى الملف، أريد أن أتوقف عند الأسلوب. لأن ما قدّمه هذا الشاب ليس ما تقوم عليه الحوارات الدينية الجادة.

الحوار البيني بين الأديان لا يعني أن كل طرف يُقدّم مُرافعة ضد الآخر. يعني أن كل طرف يأتي بنية فهم لا بنية “فضح.” حين يأتي أحد بملف يُرتّب فيه آيات دينية الآخر لإثبات نيته الخبيثة، فهو لا يُحاور بل يُحاكم. والمحاكمة المسبقة تجعل الحوار عديم الفائدة.

وهذه ملاحظة تسري في الاتجاهين: المسلم الذي يأتي إلى حوار بيني بنية “فضح المسيحيين” يرتكب نفس الخطأ.

ثانيا: القراءة الانتقائية للجهاد

أما محتوى الملف فيكشف خطأً منهجيًا واضحا: اختيار آيات معينة، عزلها عن سياقها التاريخي والتشريعي، ثم تقديمها كما لو كانت تُمثّل الإسلام في جوهره.

الخطأ الأول: عزل الآيات عن سياق النزول. الآيات القرآنية التي تتحدث عن القتال نزلت في سياقات محددة جدا: اعتداء مباشر على المسلمين، أو نقض معاهدة، أو صد غزو. ومن يقرأ هذه الآيات من غير أسباب النزول والسياق التاريخي، يقرأ قرآنا مختلفا عمّا أُنزل.

الخطأ الثاني: تجاهل آيات السلم والتعايش. في نفس القرآن الذي تم “فضحه” آيات صريحة: لا ينهاكم الله عن الذين لم يُقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتُقسطوا إليهم (الممتحنة: 8). وآيات عن الذمة والمعاهدة والتعايش مع غير المسلمين في الدولة الإسلامية.

الخطأ الثالث: إسقاط المنطق المعاصر على واقع مختلف. الجهاد في القرآن نزل في سياق قبلي وجيوسياسي لا دولة فيه بالمعنى الحديث، وكانت النزاعات تُحسَم بالقتال بين جماعات. قراءة هذه النصوص بعيون القرن الحادي والعشرين دون فهم السياق خطأ في المنهج قبل أن يكون خطأ في النتيجة.

ثالثا: ما يقوله القرآن فعلا عن العلاقة مع الآخر

الصورة التي يُقدّمها القرآن للعلاقة مع غير المسلمين أكثر تعقيدا وتنوعا مما يُوحيه الاختزال الانتقائي:

مع أهل الكتاب الذين لا يُعادون: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم (آل عمران: 64)، دعوة إلى الكلمة المشتركة لا إلى الإخضاع.

في التعامل اليومي: ولا تُجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن (العنكبوت: 46)، الحسنى لا الغلظة.

في موضوع الدعوة: لا إكراه في الدين (البقرة: 256)، حرية الاختيار الديني مبدأ قرآني صريح.

رابعا: “تعرّف على المسلمين من الشرق الأوسط”

أريد أن أتوقف عند هذه الجملة التي كررها صاحب الملف. “أعرف المسلمين من تجربتي في الشرق الأوسط.” هذه الجملة تُخفي خطأً إضافيا: الخلط بين التجربة الاجتماعية مع بعض المسلمين في سياق محدد وبين فهم الإسلام كمنظومة دينية وفكرية.

أن تكون جارا لمسلمين في بلد ما لا يعني أنك فهمت القرآن والحديث والتاريخ الإسلامي. تماما كما أن المسلم الذي يعيش بجوار مسيحيين لا يعني بالضرورة أنه يفهم اللاهوت المسيحي.

التجربة الاجتماعية قيّمة، لكنها لا تُغني عن الدراسة المنهجية والاطلاع على المصادر الأصلية.

خاتمة: الحوار الحقيقي شرطه مختلف

الحوار بين الأديان الذي أُؤمن به هو الحوار الذي يبدأ بالأمانة: كل طرف يُقدّم دينه كما يفهمه مؤمنوه، ويستمع لتقديم الآخر بنفس الانفتاح الذي يريده لنفسه. هدفه ليس الإقناع ولا “الفضح” بل الفهم المتبادل الذي يُتيح التعايش الكريم.

والرد على القراءة الانتقائية ليس غضبا بل منهجية: تعال إلى النص كاملا وبأدواته الصحيحة، واسألني وأسألك، ولنفهم معا قبل أن نحكم.