يمكن تلخيص جانب كبير من أزمة الأداء المؤسسي في بيئتنا في غياب أربعة معان متصلة: الإتقان، وقياس الأداء، والمساءلة، والمحاسبة. ليست المشكلة دائما في غياب النية الحسنة، بل في غياب اللغة العملية التي تحول العمل من اجتهاد شخصي إلى فعل مؤسسي قابل للتقييم.

ومن المهم هنا ألا يُقدَّم الإتقان باعتباره قيمة إدارية مستوردة فقط، بل بوصفه أيضا معنى أخلاقيا راسخا في الثقافة الإسلامية. يكفي أن القرآن يصف الخلق بقوله: صنع الله الذي أتقن كل شيء (النمل: 88)، وأنه يربط الفضيلة بمعنى الإحسان في أكثر من موضع، منها قوله: إن الله يحب المحسنين (البقرة: 195).

ما معنى الإتقان في العمل؟

الإتقان ليس مجرد بذل جهد، بل تحقق ثلاثة عناصر على الأقل: أن يُنجز العمل بلا خلل فادح، وأن يُنجز وفق قواعده ومعاييره، وأن يُنجز في الوقت المناسب. فالنية الحسنة لا تكفي إذا كان الناتج ضعيفا أو مرتبكا أو متأخرا على نحو يضر بالناس وبالمؤسسة.

بهذا المعنى، الطبيب الذي يعمل بلا تشخيص كاف، أو المسؤول الذي يقرر بلا معطيات، أو الإدارة التي تتأخر بلا مساءلة، لا يمكن أن تدعي الإتقان لمجرد أنها حاولت.

أين يظهر الخلل؟

ما يظهر في كثير من المؤسسات هو غياب المعايير الواضحة لما يُنتظر من كل موقع. حين لا يكون النجاح محددا مسبقا، يصبح كل شخص حرا في تعريف النجاح بطريقته، وتصبح المحاسبة شبه مستحيلة. وهنا تتحول الإدارة إلى خليط من الاجتهادات الفردية، لا إلى منظومة تتعلم من نفسها.

كما أن غياب أدوات القياس يجعل كل نجاح منسوبا إلى الأشخاص، وكل فشل منسوبا إلى الظروف. وهذه وصفة مضمونة لتعطيل التعلم المؤسسي، لأن المؤسسة لا تعرف بدقة ماذا نجح ولماذا، ولا ماذا فشل وكيف يُصحح.

قياس الأداء ليس بيروقراطية فارغة

يُساء فهم قياس الأداء أحيانا على أنه عبء تقني أو هوس بالأرقام. لكنه في جوهره أبسط من ذلك: ماذا نريد أن نحقق؟ كيف نعرف أننا حققناه؟ وماذا نفعل إذا لم نحققه؟

من دون هذه الأسئلة، يبقى الخطاب الإداري معلقا في مستوى الشعارات. أما حين تصبح هذه الأسئلة جزءا من الحياة اليومية للمؤسسة، تبدأ المسؤوليات في الوضوح، ويصبح النقد قابلا للتحول إلى تصحيح حقيقي لا إلى انطباعات عامة.

المساءلة والمحاسبة شرطا الثقة

المساءلة تعني أن يكون من حق أطراف محددة أن تسأل: لماذا اتخذ القرار؟ لماذا تأخر الإنجاز؟ لماذا لم تتحقق النتيجة؟ والمحاسبة تعني أن يكون لهذه الأسئلة أثر فعلي، لا أن تبقى طقسا خطابيا.

لكن الخطر لا يقتصر على غياب المساءلة، بل يشمل أيضا تشويهها. فإذا تحولت إلى أداة انتقام سياسي أو شخصي، فقدت وظيفتها وأصبحت جزءا من الخلل نفسه. المطلوب إذن ليس مجرد مساءلة، بل مساءلة عادلة ومنضبطة بالمعايير.

لماذا يصعب ترسيخ هذه الثقافة؟

هناك عوامل ثقافية وتاريخية واضحة: ثقافة الهيبة التي تجعل المسؤول فوق النقد، وثقافة المجاملة التي تخلط بين احترام الأشخاص وإعفائهم من التقييم، وعدم الاستقرار الإداري الذي يمنع تراكم التعلم داخل المؤسسات.

كما أن بعض البيئات تنظر إلى المطالبة بالجودة الصارمة وكأنها تعالٍ أو قسوة، بينما هي في الحقيقة جزء من احترام الناس والوقت والمال العام.

خاتمة

الإتقان ليس ترفا، والمساءلة ليست عدوانا، وقياس الأداء ليس شغفا باردا بالأرقام. هذه كلها شروط حتى تعمل المؤسسة كجهاز يخدم الناس لا كمساحة واسعة للاجتهاد غير المحكوم.

وما لم تتحول هذه المعاني من شعارات أخلاقية إلى ممارسات يومية، فستظل الخطابات كثيرة والنتائج أقل بكثير مما نحتاج.