يكثر استعمال كلمة “التطبيع” حتى تكاد أحيانا تفقد دقتها. فكلما اتسع المصطلح بلا معايير واضحة، صار قابلا لأن يتحول من أداة تحليل إلى أداة اتهام. لهذا تبدو الحاجة قائمة إلى التمييز بين أفعال تمنح شرعية سياسية أو رمزية لمؤسسات الاحتلال، وأفعال أخرى قد تدخل في التضامن مع الفلسطينيين أو في العلاقات الإنسانية التي لا تحمل هذه الدلالة.
ما الذي أعده تطبيعا؟
في تقديري، يقترب الفعل من التطبيع حين يكون فيه تعامل مباشر مع مؤسسات الدولة الإسرائيلية أو النخب الممثلة لها على نحو يمنحها مظهرا من مظاهر الاعتياد والشرعية السياسية، أو حين يقدَّم التعاون معها كأن الصراع القائم مجرد تفصيل يمكن تجاوزه بلا اعتبار لبنية الاحتلال نفسها.
لهذا يبدو لي أن الزيارات الرسمية، أو التعاون الثقافي والترفيهي الذي يتجاهل واقع الاحتلال، أو الأنشطة الأكاديمية والمؤسساتية التي تُسوّي بين مؤسسة إسرائيلية ومؤسسة عادية أخرى من دون أي وعي بالسياق، أقرب إلى معنى التطبيع من غيرها.
ما الذي لا يندرج تلقائيا في هذا الباب؟
في المقابل، لا يبدو لي منضبطا أن يُوصف كل تواصل أو كل زيارة أو كل علاقة إنسانية بالتطبيع. فالتواصل مع الفلسطينيين أنفسهم، سواء في الضفة أو غزة أو الداخل، لا يساوي في معناه التعامل مع مؤسسات الاحتلال. وكذلك التواصل مع يهود أو جماعات خارج إسرائيل تنتقد سياسات الاحتلال أو تنخرط في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية لا يصح اختزاله آليا في المفهوم نفسه.
كما أن العلاقات الشخصية اليومية، خصوصا لمن يعيشون في مجتمعات مختلطة في الغرب، ليست من جنس الاعتراف السياسي أو الشرعنة المؤسسية بالضرورة.
لماذا يهم هذا التمييز؟
لأن تضخيم المفهوم يضر بالقضية نفسها. فإذا صار كل شيء تطبيعا، ضعفت القدرة على تسمية التطبيع الحقيقي حين يقع. كما يضر أيضا بإمكان بناء دوائر تضامن أوسع مع الفلسطينيين، لأن بعض أشكال الحوار واللقاء والتحالف المدني قد تكون في الواقع جزءا من مقاومة العزلة لا من شرعنة الاحتلال.
وفي الوقت نفسه، فإن إهمال التمييز المقابل خطر أيضا، لأنه يسمح أحيانا بمرور أشكال من الشرعنة تحت أسماء بريئة.
خاتمة
المطلوب إذن ليس التوسع غير المنضبط ولا التساهل غير المبدئي، بل معايير أوضح: هل الفعل يمنح شرعية لمؤسسات الاحتلال؟ أم يخدم التواصل مع الفلسطينيين أو يوسع دوائر التضامن أو يدخل في علاقة إنسانية لا تحمل هذا المعنى؟
حين يُطرح السؤال بهذه الطريقة يصبح النقاش أدق، وتقل الحاجة إلى تحويل المصطلحات إلى أحكام جاهزة على الناس قبل فحص الأفعال نفسها.