ديناميكيّة الخوف من المستقبل

الخوف من المستقبل يدفع الناس إلى التمسّك بالحاضر، والأمل في مستقبل أفضل يدفعهم للتغيير. وما يحكم نزعة الشعوب والجماعات نحو هذا أو ذاك هو درجة عدم الرضى:

  • فإذا حصل عدم رضى عن الواقع، يميل الناس للتمسّك بالحاضر مع محاولة إصلاحه بالتدرّج.
  • وإذا تعمّق الشعور بعدم الرضى أكثر، بدأوا بالتذمّر والتعبير عن الرغبة في التغيير.
  • وإذا تعمّق تذمّرهم أكثر ووصلوا لحالة من الإحباط، يميلون للتغيير الجذري.

انتقال الأجسام الاجتماعية الكبيرة لحالة التذمّر والإحباط ليس عملية سهلة، وإنما تحتاج لتراكمات هائلة. ولذلك غالبًا ما يلجأ الناس إلى تغليب التمسّك بالحاضر خوفًا من المجهول. ولذلك أيضًا لا تحصل الثورات أو التغييرات الاجتماعية الهائلة إلا مرة في كلّ مئة سنة أو مئتي سنة.

”شدّ مشومك لا يجيك ما أشوم منّو”

فكرة التمسّك بالحاضر خوفًا من المجهول فكرة متكرّسة في مختلف الثقافات الشعبية. وفي وعينا الشعبي التونسي يُعبَّر عنها بالمثل العامّي: “شدّ مشومك لا يجيك ما أشوم منّو” (أي: احتفظ بالسيّئ لديك الآن، فربّما يأتيك ما هو أسوأ منه).

الأنظمة الحاكمة تعوّل دائمًا على منطق كهذا. فعلها نظام بورقيبة، وفعلها نظام بن علي دائمًا. ونفس هذا المنطق يحكم أيضًا الجماعات والأحزاب السياسية.

المقاومة الداخلية للإصلاح

توجد شواهد كثيرة على أن الوضع الداخلي في بعض الأحزاب لا يُنظر إليه بحالة رضى أو تفاؤل من قبل الأعضاء وعدد من القياديّين. والجميع يتراوحون بين عدم الرضى بنسب متفاوتة، والتذمّر والإحباط. ولكنّ الخطاب الغالب هو خطاب الخوف من المستقبل المجهول. ولذلك يحرص كثيرون على التمسّك بالوضع الراهن داخل الحركة، والاكتفاء بمواصلة محاولات الإصلاح الداخلي، فالانتخابات قادمة، وهناك مخاطر كثيرة محيقة تستدعي تأجيل كلّ المطالب الإصلاحية.

تساؤلات مشروعة

شخصيًّا، أقدّر أنه توجد بالفعل مخاطر كبيرة محدقة، وهو أمر طبيعي بعد الثورات. وفي كلّ تجارب الثورات والانتقال الديمقراطي، لا مفرّ من أن تعيش المجتمعات فترات من الاحتقان والتنازع والتفاوض الاجتماعي. ولكن إلى أيّ حدّ يمكن استدعاء هذه المخاطر في أذهان الناس لتبرير قمع أو رفض أو تأجيل أيّ جهد إصلاحي وتطويري داخل الحركات السياسية والاجتماعية نفسها؟

  • ما دخل مخاطر الوضع السياسي العام من ضرورة تفعيل هيكلة إدارية ناجعة وفعّالة؟
  • ما دخل مخاطر الوضع السياسي العام من ضرورة وضع رؤية سليمة وأدوات ناجعة للإعلام أو التدريب والتثقيف أو التأهيل القيادي أو الدراسات الاستراتيجية؟

للردّ على هذه التساؤلات، يعمد البعض إلى تقديم حجج من قبيل عدم تفرّغ بعض القيادات بسبب تركيزهم على الملفات الحارقة. ولكن: طالما أنهم غير متفرّغين، أليس هذا دليلًا على الحاجة لتوسيع عدد القياديّين وتوزيع المهام وتفويض بعضها لجهات خارجية متخصّصة، كما يحصل في أحزاب العالم المتقدّم؟

“التمسّك بالحاضر” كأداة تحكّم

من الواضح جدًّا أن “التمسّك بالحاضر خوفًا من المستقبل المجهول” مقولة تبريرية يستعملها بعض القياديّين فقط لضمان تحكّمهم في جسم الحزب ومساره. وهذا الأمر يهدّد وضع هذه الأحزاب ويجعلها أكثر هشاشة داخليًّا.

نحو إصلاح حقيقي وعاجل

في كلّ الحالات، أعتقد أن المصلحة العامة تقتضي من العقلاء أن يتعاملوا مع الوضع الداخلي بأكثر جرأة وأكثر إصرار على التعجيل بفرض إجراءات إصلاحية تؤدّي إلى:

  • ترميم الثقة الداخلية في صفوف القواعد
  • توفير هيكلة إدارية أكثر نجاعة وأكثر فاعلية
  • الفصل بين المستويَين السياسي والإداري واعتماد الكفاءة الإدارية أساسًا في توزيع المناصب
  • دعم التخطيط الاستراتيجي
  • إعادة النظر في البرامج التثقيفية والتدريبية والتأهيل القيادي، والاستنجاد بمؤسسات دولية متخصّصة لبناء جيل سياسي وقيادي متميّز
  • الحسم مع الخطابات التبسيطية السائدة التي تعطّل قدرات الأحزاب على الانطلاق كأحزاب سياسية عصريّة
  • إعادة النظر في الجوانب الإجرائية لعملية الشورى الداخلية كي تصبح شورى حقيقية بدل أن تكون مجرّد تجمّل وديكور
  • توفير إعلام داخلي سريع وناجع يوفّر ورقات تقدير للموقف والسيناريوهات المحتملة

أعتقد أن مصير أيّ حزب مرتبط بمدى نشوء خطّ إصلاحي داخلي. وإلا فسيكون الأسلم هو التمرّد والاستقالة. في كلّ الحالات: لا مفرّ من رجّة قوية داخلية للإصلاح.

وما ينطبق على حزب بعينه يصلح لبقيّة الأحزاب والجماعات. ومن مصلحة الجميع أن يكون لدينا أحزاب عصريّة وديمقراطيّة وذات هيكليّة إدارية ناجعة. وليتنافسوا بعد ذلك على إدارة الشأن العام كما يريدون. ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾.