يميل كثير من الناس في الداخل إلى رؤية الهجرة من زاوية واحدة: العمل الأفضل، والدخل الأعلى، والنظام الأوضح، والصورة المرتبة للحياة في الخارج. لكن هذه ليست إلا طبقة واحدة من التجربة. وراءها توجد كلفة نفسية واجتماعية وهووية لا تظهر غالبا في الصور ولا في الزيارات القصيرة.
ما الذي لا يظهر في الصورة؟
لا تظهر بسهولة عزلة السنوات الأولى، حين يكتشف الإنسان أنه لا يملك شبكة اجتماعية ولا لغة كافية ولا إحساسا مستقرا بالمكان. ولا يظهر دائما ما يرافق ذلك من ضغط نفسي، ومن شعور بأن كل شيء يجب أن يُبنى من جديد في سن لم يعد فيها البدء من الصفر أمرا بسيطا.
كما لا تظهر الفجوة المؤلمة أحيانا بين التأهيل الذي يحمله المهاجر وبين العمل الذي يضطر إلى قبوله في البداية، ولا القلق المرتبط بالإقامة والعمل والاعتراف بالشهادات، ولا الإحساس الدائم بأن الخطأ هنا قد تكون له كلفة أكبر مما كان له في الوطن.
الخسارة التي لا تُقاس بالمال
هناك أيضا خسائر لا تُترجم بسهولة إلى لغة المكاسب والخسائر المادية: الغياب عن المرض والوفاة والمناسبات العائلية، وتآكل الصلة اليومية بالأهل، وتحول الانتماء نفسه إلى شيء مركب. فالمهاجر قد لا يعود ينتمي بالكامل إلى هنا ولا إلى هناك.
وحين يكبر الأبناء في بيئة مختلفة، تظهر طبقة أخرى من التعقيد: كيف يُنقل الانتماء؟ وكيف تتشكل الهوية؟ وما الذي يبقى من البلد الأصلي في جيل لم يعشه كما عاشه الوالدان؟
لماذا يهم قول هذا الكلام؟
ليس الهدف من هذا الخطاب تثبيط الناس عن الهجرة، ولا إنكار ما قد تمنحه من فرص حقيقية. بل الهدف هو مقاومة الصورة الساذجة التي تقدمها كأنها انتقال بسيط من الجحيم إلى الجنة.
الهجرة قرار ثقيل، وقد يكون نافعا لكثيرين، لكنه يحتاج وعيا بكلفته لا افتتانا بنصف الصورة الجميل فقط. من دون هذا الوعي، يتحول الحلم إلى صدمة، ويتحول النجاح النسبي إلى شعور بالذنب أو الخيبة لأنه لم يأت على الهيئة المتخيلة.
خاتمة
الهجرة ليست خلاصا سحريا، ولا هي مأساة مطلقة. هي تجربة مركبة، فيها فرص حقيقية وفيها أثمان حقيقية. وأقل ما ينبغي قوله للراغبين فيها هو الحقيقة كاملة: نعم، قد تجد فيها أفقا أوسع، لكنك ستدفع أيضا من نفسك ووقتك وعلاقاتك وانتمائك.
من يعرف هذه الكلفة ويدخل التجربة بعين مفتوحة يكون أقدر على احتمالها. أما من يطلب جنة جاهزة، فسيصطدم بسرعة بوجه آخر لا تقوله الصور.