أحيانا تكشف التفاصيل الإدارية الصغيرة عن مشكلة أعمق بكثير من حجمها الظاهر. حين يجد تونسي في الخارج أن مهنته الدقيقة تختزل في جواز سفره إلى عبارة عامة ومبهمة، أو حين يشعر أن تعامله مع بعض المنافذ الإدارية يقوم على الارتياب أكثر مما يقوم على الخدمة، فإن الأمر لا يعود مجرد خطإ تقني معزول، بل يصبح جزءا من تجربة متكررة تصوغ علاقة المغترب بدولته.

ما الذي تكشفه هذه التفاصيل؟

تكشف أولا نزعة اختزالية في النظر إلى التونسيين في الخارج. فبدل أن يُنظر إليهم بوصفهم مواطنين كاملين بتنوع مساراتهم المهنية وخبراتهم، تُدفع الإدارة أحيانا إلى التعامل معهم باعتبارهم كتلة واحدة، أو مجرد مصدر تحويلات أو ملف قنصلي دوري.

وتكشف ثانيا ضعفا في الحس الخدمي. فالإدارة الحديثة لا تقيس نفسها فقط بصحة الأوراق، بل أيضا بمدى احترامها لكرامة المواطن ودقتها في تمثيله وعدم تحميله أعباء إضافية أو رمزية بلا مبرر.

ما يحتاج إلى إصلاح

من الإصلاحات المعقولة في هذا الباب مراجعة ما إذا كانت بعض الخانات في الوثائق الرسمية لازمة أصلا، وما إذا كانت تضيف قيمة إدارية حقيقية أو مجرد قابلية جديدة للخطأ والاختزال.

كما يحتاج الأمر إلى مزيد من الانضباط والوضوح في الإجراءات المرتبطة بالمنافذ الحدودية والمطارات، حتى لا يظل المسافر أسير انطباع بأن القواعد الرسمية شيء، والممارسات الواقعية شيء آخر.

ومن الملفات التي تستحق معالجة أعمق أيضا ملف الحقوق الاجتماعية للمغتربين، مثل التنسيق في التقاعد والضمان الاجتماعي مع الدول التي يقيمون فيها. فالمواطنة لا ينبغي أن تتقلص كلما ابتعد المواطن جغرافيا.

المسألة في جوهرها سياسية ومؤسسية

ليست القضية مجرد تحسين خدمة هنا أو حذف خانة هناك. المسألة الأعمق هي: كيف تنظر الدولة إلى مواطنيها في الخارج؟ هل تراهم امتدادا بشريا واقتصاديا وثقافيا يجب احترامه واستثماره، أم ملفا ثانويا يُدار بأدنى قدر من الحساسية المؤسسية؟

كل جواب عملي عن هذا السؤال سينعكس في التفاصيل: في الوثائق، وفي المعاملة، وفي القوانين، وفي آليات المشاركة، وفي شعور المغترب نفسه بأن صلته ببلده صلة اعتراف لا صلة استعمال.

خاتمة

الإصلاح هنا يبدأ من أشياء تبدو صغيرة، لكنه لا يقف عندها. احترام المواطن في الخارج لا يكون بالشعارات عن أهمية الجالية فقط، بل بقرارات إدارية دقيقة، وبإجراءات عادلة، وباعتراف فعلي بأن المغترب ليس مجرد رقم في ميزان التحويلات، بل مواطن كامل الكرامة والحق.