في المشهد السياسي اليوم، يختلط على كثيرين تصنيف التيارات اليسارية، خاصة في تونس حيث غابت الثقافة السياسية المتخصصة.

أحد أبرز مصادر الالتباس هو الخلط بين اليسار الديمقراطي الاجتماعي واليسار الراديكالي: هل هما شيء واحد؟ أم يمثلان مسارين مختلفين؟

هذا المقال يحاول تبسيط الفروقات.

ما هي الديمقراطية الاجتماعية؟

اليسار الديمقراطي الاجتماعي ليس تيارًا ثوريًا، بل هو نهج إصلاحي يقوم على فكرة أساسية مفادها أنّ: بالإمكان الجمع بين اقتصاد السوق والعدالة الاجتماعية في الوقت نفسه.

فهو لا يعادي الملكية الخاصة، ولا يرفض منطق المنافسة الاقتصادية، لكنه يرفض ترك المجتمع رهينة لآليات السوق وحدها.

الدولة، في نظر الديمقراطية الاجتماعية، ليست مجرد مراقب محايد، بل هي فاعل إيجابي يسعى إلى حماية الفئات الضعيفة وضمان التعليم والصحة للجميع وتحقيق حدّ أدنى من المساواة والكرامة.

والتغيير في هذا الخط يتم بالتدرج، عبر القوانين والمؤسسات، لا عبر القطيعة أو الثورة الشاملة على النظام القائم. لذلك، رغم كونه يسارًا تقدميًا، فإنه يظل بعيدًا عن الراديكالية.

اليسار الراديكالي

رؤية مختلفة جذريًا

على الطرف المقابل يقف اليسار الراديكالي، وهو مظلة واسعة تشمل الماركسية والشيوعية الكلاسيكية والتيارات الاشتراكية الثورية.

الراديكالية، في معناها الأصلي، تعني “الذهاب إلى الجذور”، أي السعي لتغيير النظام من أساسه بدل الاكتفاء بإصلاحه.

هذه التيارات تعتبر الرأسمالية نفسها مصدرًا للظلم الاجتماعي، وترى أنه لا يمكن إصلاحها بل يجب تجاوزها بالكامل، غالبًا عبر أنظمة تقوم على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج وإعادة توزيع شاملة للثروة والسلطة.

وفي رؤية اليسار الراديكالي، المؤسسات الحالية ليست أداة للتغيير بل جزء من المشكلة نفسها، ولا يمكن التعويل عليها لإصلاح الأوضاع.

هنا يكمن الفارق الجوهري:

  • بينما تسعى الديمقراطية الاجتماعية إلى إصلاح النظام من الداخل،

  • يتبنى اليسار الراديكالي خطابًا صداميًا يهدف إلى قلب النظام القائم بالكامل.

في السياق الدولي

مساران متوازيان

لفهم الفارق بوضوح، يكفي النظر إلى التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية. فقد نجحت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في بناء نموذج دولة الرفاه، حيث توازن بين اقتصاد حر قادر على تحقيق النمو، وبين سياسات اجتماعية قوية تحمي الطبقات الفقيرة والوسطى.

في السويد والنرويج وألمانيا، مثلًا، تمكنت هذه الأحزاب من تحقيق مستوى عالٍ من المساواة دون التخلي عن ديناميكية السوق.

لكن منذ الثمانينات، ومع صعود النيوليبرالية عالميًا، تبنت بعض هذه الأحزاب توجهًا جديدًا عُرف بـ الطريق الثالث، كما فعل حزب العمال البريطاني بقيادة توني بلير، محاولًا التوفيق بين الكفاءة الاقتصادية ومبادئ العدالة الاجتماعية.

في المقابل، صعدت حركات يسارية راديكالية جديدة في أوروبا وأميركا اللاتينية والولايات المتحدة، مثل “بوديموس” في إسبانيا و”سيريزا” في اليونان وحركة بيرني ساندرز في أميركا، التي رأت أن الديمقراطية الاجتماعية تراجعت عن مبادئها وتحالفت مع الرأسمالية، وطرحت مقاربات أكثر جذرية في مواجهة التفاوت الاجتماعي.

في السياق التونسي

مصدر الالتباس

في تونس، ازداد الخلط بين الديمقراطية الاجتماعية والراديكالية بعد الثورة لعدة أسباب:

  • أولها ضعف الثقافة السياسية، حيث يُصنّف أي خطاب يتحدث عن الضرائب التصاعدية أو حماية الخدمات العمومية أو ضمان الحقوق الاجتماعية باعتباره “يسارًا جذريًا”، حتى لو كان برنامجه إصلاحيًا بالكامل.

  • ثانيًا، ساهم الاستقطاب السياسي بعد 2011 في تكريس هذا الخلط. فقد وُضعت كل الأحزاب اليسارية، سواء كانت راديكالية أو إصلاحية، (إما عن جهل أو عن سوء نية) في خندق واحد مقابل الإسلاميين أو القوى المحافظة، دون تمييز بين برامجها ومقارباتها.

  • ثالثًا، لعب الخطاب الشعبوي دورًا كبيرًا في تضليل الرأي العام. قيس سعيد، على سبيل المثال، يميل إلى تصوير كل الأحزاب المعارضة على أنها جزء من “المنظومة”، بغض النظر عن اختلاف مواقفها.

وبهذا، صار أي حديث عن العدالة الاجتماعية أو الدفاع عن الدولة الراعية يُنظر إليه على أنه تحدٍّ للنظام، بينما جوهر الديمقراطية الاجتماعية يقوم أساسًا على تعزيز الدولة لا على تقويضها.

  • رابعًا وأخيرًا، إخفاقات بعض الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في تونس، مثل التيار الديمقراطي والتكتل والحزب الجمهوري، في بناء قواعد شعبية قوية أو تقديم بدائل عملية، جعلت الرأي العام يدمج بينها وبين بقية التيارات اليسارية، رغم اختلاف أهدافها واستراتيجياتها.

بين الإصلاح والقطيعة

إذن، اليسار الديمقراطي الاجتماعي ليس يسارًا راديكاليًا، لا من حيث الفلسفة ولا من حيث الممارسة.

هو يسار إصلاحي تقدمي، يعمل من داخل المؤسسات، ويرى أن بناء دولة عادلة يتطلب توازنًا بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

أما اليسار الراديكالي، فيتبنى مشروعًا جذريًا يسعى إلى قلب النظام الاقتصادي والسياسي من أساسه.

وفي تونس، يكمن سبب الخلط بين الخطين في ضعف الثقافة السياسية، وتداخل الشعارات، وفشل بعض التجارب الحزبية، بالإضافة إلى انتشار خطابات شعبوية مبسّطة تختزل النقاش في ثنائيات حادة.

والفهم الدقيق لهذه الفروقات ليس ترفًا فكريًا، بل خطوة ضرورية لتأسيس نقاش عام ناضج، ولتحرير الرأي العام من الصور النمطية، حتى تكون الخيارات السياسية والاجتماعية مبنية على وعي حقيقي وليس على تصنيفات جاهزة أو شعارات عاطفية.