إذا أردنا تحليل المسألة بعمق، فسنجد أن ما يبدو “فشلًا” ليس فشلًا تقنيًا بقدر ما هو تعارض مصالح بنيوي/هيكلي، وصراع مصالح داخل النموذج الاقتصادي والهيكل التشغيلي للمنصات.


  1. النموذج الاقتصادي هو المشكلة الأصلية

هذه المنصات تقوم على معادلة واحدة: الإعلانات تحتاج انتباهًا، والانتباه يحتاج تفاعلًا وحجمًا.

الدائرة المفرغة لمنصات الإعلانات:

• الإيرادات = إعلانات

• الإعلانات = انتباه

• الانتباه = تفاعل (Engagement)

• التفاعل = حجم (Volume)

• كلما زاد عدد المستخدمين (حتى لو كانوا وهميين) زاد التفاعل

• كلما زاد التفاعل زاد الوقت داخل المنصة

• كلما زاد الوقت زاد عدد الإعلانات المعروضة

• كلما زادت الإعلانات زادت الإيرادات

النقطة الحسّاسة هنا:

الحسابات الوهمية والروبوتات (Bots) تضخّم المؤشرات التي يحبها المستثمرون والمعلنون.

معلومة كاشفة (مثال تويتر قبل شراء ماسك):

o عندما حاول إيلون ماسك تدقيق عدد الحسابات الآلية قبل إتمام شراء تويتر، واجه مقاومة. لماذا؟ لأن كشف الحجم الحقيقي للمستخدمين النشطين كان سيؤدي إلى: انخفاض التقييم (Valorisation)، وأيضا التشكيك في جودة “القاعدة الجماهيرية” التي تُباع للمعلنين

الأرقام التي لا يحبون كشفها:

  • بالنسبة لفيسبوك: الرقم المُعلن: MAU حوالي 3 مليارات. بينما التقدير الواقعي: نحو 15% إلى 20% قد تكون حسابات غير حقيقية/وهمية

  • بالنسبة لـ / تويتر: الرقم المُعلن: MAU حوالي 550 مليونًا. بينما التقدير الواقعي: نحو 20% إلى 30% قد تكون روبوتات/حسابات آلية

وهذا يعني في مستوى التفاعل (Engagement): أن جزءا هاما مما يقولون عنه “أرقام قياسية تاريخية”، هو في حقيقة الأمر مُضخّم بالأتمتة.


  1. الروبوتات والمشاغبون يخدمون الخوارزمية

هذه هي الفكرة الأكثر “سخرية” لكنها الأقرب إلى الواقع: الخوارزميات تُفضّل ما يُبقيك داخل المنصة أطول، لا ما هو “أفضل” أو “أنفع”.

لماذا تحب الخوارزمية السمية والجدل؟

• منشور محايد مثل: “أعجبني هذا الكتاب”

o 5 إعجابات

o 0 تعليقات

o 0 مشاركات

o زمن استهلاك: ثوانٍ قليلة

• منشور مستفز مثل: “هذا الكتاب إهانة للعقل”

o عشرات التفاعلات

o مئات التعليقات

o نزاعات وجدالات

o زمن استهلاك: قد يصل إلى عشرات الدقائق

النتيجة:

• الخوارزمية ستُضخّم المنشور الجدلي لأنه:

o يزيد “الوقت على المنصة”

o يرفع التفاعل

o ينتج عنه إعلانات أكثر

o وبالتالي أرباح أكثر

حسب وثيقة داخلية من فيسبوك (وثائق هاوغن 2021):

• مضمون الفكرة: خوارزميات المنصة تستغل ميل الدماغ البشري نحو الانقسام والاستقطاب.

• المتصيدون يصنعون الجدل اصطناعيًا → التفاعل يرتفع → الأرباح ترتفع.


  1. الكلفة الحقيقية للمراقبة/الاعتدال مقارنة بالأرباح

هنا يظهر الحساب “البارد” الذي تشتغل به الشركات.

فيسبوك (2023):

• الإيرادات السنوية: حوالي 135 مليار دولار

• ميزانية “السلامة والأمن”: حوالي 5 مليارات دولار

• نسبة الإنفاق على الأمن من الإيرادات: 3.7%

• عدد المراقبين البشر (غالبًا متعاقدون منخفضو الأجر): حوالي 15,000

• نسبة المراقب إلى المستخدمين: 1 مراقب لكل 200,000 مستخدم

الحساب “السيناريوي” (المنطق النفعي البحت):

إذا أزالوا مثلًا 20% من الحسابات الوهمية، فسيكون الثمن اقتصاديًا كبيرًا:

• خسارة إيرادات إعلانية تقريبية: ~20 مليار دولار سنويًا

• هبوط محتمل في القيمة السوقية: ~200 مليار دولار

• تكلفة جعل الإشراف فعّالًا حقًا: +10 مليارات دولار سنويًا

الخلاصة الاقتصادية:

• من منظور الشركة: حل المشكلة جذريًا غير عقلاني اقتصاديًا لأن الكلفة المباشرة وغير المباشرة ضخمة مقارنة بالمكاسب.


  1. بنية المنصة القديمة تجعل التغيير شبه مستحيل

هناك “دين تقني” متراكم منذ قرارات 2004–2010.

قرارات مبكرة أصبحت اليوم شبه غير قابلة للعكس:

• التسجيل دون أي احتكاك (Frictionless signup)

o “سجّل خلال 30 ثانية”

o لاحقًا يصبح من شبه المستحيل إضافة تحقق هوية (KYC) إلى مليارات الحسابات

• السماح بالاسم المستعار/المجهولية في البداية

o لا رابط بهوية حقيقية

o سياسة “الاسم الحقيقي” جاءت متأخرة

• ثقافة “انطلق بسرعة وحطّم الأشياء”

o لم يتم بناء “Trust Score” منذ البداية

o كل الحسابات تولد “متساوية” بلا طبقات ثقة

• API مفتوحة لإنشاء “منظومة بيئية”

o فتحت الباب للأتمتة واسعة النطاق

o ساعدت في ظهور مزارع البوتات

o وساهمت في فضائح كبرى مثل Cambridge Analytica


  1. البعد السياسي: الحسابات الوهمية مفيدة أيضًا

الفائدة ليست اقتصادية فقط، بل سياسية كذلك… لعدة أطراف.

لصالح المنصات:

• الحفاظ على وهم النموّ المستمر

• إرضاء وول ستريت

• زيادة المؤشرات التي تُباع للمعلنين والمستثمرين

لصالح بعض الحكومات والجهات السياسية:

• التأثير في الانتخابات

• بروباغندا واسعة النطاق

• حرب معلوماتية وتوجيه الرأي العام

لصالح المعلنين:

• تضخيم “الوصول” بشكل مصطنع

• تبرير ميزانيات التسويق على أساس أرقام أكبر

مثال واقعي قوي:

• “مزارع المتصيدين” الروسية (Internet Research Agency) اشتغلت لسنوات على فيسبوك قبل أن يتم “اكتشافها”.

• هل هي مصادفة؟ التقرير يطرحها كسؤال دال: كيف استمر ذلك كل هذا الوقت؟


  1. مسرحية الاعتدال (Theatre of moderation)

هناك فرق بين “ما يفعلونه للواجهة والصورة العامة” وبين “ما الذي سينجح فعلاً”.

ما يفعلونه (لأجل السمعة وإدارة الأزمات):

• تقارير شفافية ربع سنوية

• حذف ملايين “الحسابات الوهمية” (لكنها تُستبدل أو تُعاد صناعتها)

• الإعلان عن “إجراءات جديدة” بعد كل فضيحة

• توظيف شركاء “تدقيق معلومات” (Fact-checkers)

ما الذي قد ينجح فعلاً (لكنهم لا يفعلونه لأنه مؤلم اقتصاديًا):

• التحقق الإجباري من الهوية

• إضافة احتكاك للتسجيل (يبطئ النمو)

• خوارزمية تُفضّل الجودة لا التفاعل الخام

• تحميل المستخدم مسؤولية “دعواته” (مسؤولية اجتماعية/قانونية)

• حدود صارمة على الأتمتة والـ API


إذن، هي ليست “مؤامرة نشطة” بالمعنى المباشر. لكنها إهمال مربح. هم لا يخلقون البوتات بالضرورة، لكنهم يستفيدون من وجودها، ولا يملكون حافزًا اقتصاديًا قويًا للقضاء عليها جذريًا.

• هل هو فشل تقني؟ لا.. لديهم أفضل المهندسين

• هل هو نقص موارد؟ لا.. لديهم مليارات الأرباح

• هل يجهلون المشكلة؟ لا.. الوثائق الداخلية تثبت معرفتهم

• هل هو قرار متعمد بالكامل؟ جزئيًا.. ليس تصنيعًا مباشرًا للبوتات، بل “تسامح محسوب”

• هل هو تضارب مصالح؟ نعم، وبشكل مطلق.