تقديري أن ضخّ هذه الكمية المهولة من وثائق إبستين لن يقود بالضرورة إلى “تصفية الحقيقة”، بل قد يقود — عمليًا — إلى دخان كثيف مقصود: إغراق الرأي العام بسيل من الأسماء والقصاصات والمراسلات، حتى تختلط الحدود بين المتورط فعليًا وبين من ورد اسمه عرضًا في رسالة، أو دعوة، أو اتصال، أو لقاء اجتماعي عابر.

آلية التضليل بالكثرة

في لحظات كهذه، يتحول الناس من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن “اسم”. ويصبح السؤال: “من ظهر؟” بدلًا من: “ما الذي يَثبُت؟”

وهنا تبدأ الآلية الخطيرة: تظهر آلاف الأسماء، فيتوه الجمهور بين من ارتكب جريمة وبين من التقى إبستين مرة أو ذُكر ضمن قائمة طويلة. ثم تنفجر موجة اتهامات عشوائية، يتبعها تلقائيًا تشكيك دفاعي في كل الوثائق، حتى الموثّقة فعلًا.

النتيجة المعتادة: التشويش يكون أكثر نفعًا لمن يريد إخفاء الحقيقة من الكتمان الكامل.

مَن يستفيد من الفوضى؟

الذين يستفيدون من هذا الدخان ليسوا الذين تورطوا وانكشفوا فحسب، بل أيضًا كل من لديه مصلحة في منع ظهور نمط واضح وقابل للملاحقة.

الفضيحة التي تبقى في مرحلة “الأسماء المبعثرة” أسهل إدارةً من الفضيحة التي تتبلور في “منظومة تُحدَّد أطرافها وتُحاكَم”.

ما يجعل التحليل مسؤولًا

الانتباه للفرق بين:

  • الدليل المادي الموثَّق (صور، فيديو، مراسلات مباشرة)
  • الاسم الوارد في قائمة من غير دليل على ماهية العلاقة
  • الاستنتاج بالقرب (“التقى به إذن متورط”)

هذا التمييز ليس دفاعًا عن أحد، بل هو الحد الفاصل بين الصحافة الاستقصائية والتضليل الجماهيري.

خاتمة

إبستين قضية حقيقية تستحق تحقيقًا حقيقيًا. لكن التحقيق الحقيقي يسير بهدوء ودليل، لا بأمواج من الأسماء وضجة من الاتهامات التي تنتهي بتعب الجمهور وعودته إلى اللامبالاة.