المشكلة: حوارات مبتورة
من يقرأ الحوارات في المنتديات الإسلامية يصطدم بكون أكثرها مبتورة، غير كاملة. وعادة ما ينتهي فيها الأمر إلى تخلّص أحد المشاركين من استكمال الحديث لسبب أو لآخر. فما الذي يحصل في نهاية مثل هذه الحوارات؟ الجواب: تصبح جهدًا مهدورًا، تضيع فائدته التي انطلق من أجل تحصيلها.
لأن موضوع الحوار يبقى عنصر اختلاف بين المتحاورين. فيتأجّل الكلام، ويبقى كل واحد على رأيه، فيضيع الهدف الذي من أجله انطلق الحوار، وهو:
- إقناع أحد الطرفين للآخر بوجهة نظره.
- أو على الأقل تقريب وجهتي النظر، فتصبح المسافة بين المتحاورين أقرب مما كانت عليه قبل الحوار.
ديناميكية المسافات الانطباعية
ولتقريب الفكرة إلى الذهن، أسوقها بالترتيب التالي:
- يعرض شخص (ولنسمّه: محمد) موضوعًا، أو تعليقًا، أو مقالًا، يحتوي على وجهة نظر أو فكرة.
- يقرأ شخص ثانٍ (ولنسمّه: عبد الله) الموضوع، فيحصل لديه “انطباع” حول تلك الفكرة. ومن خلال الانطباع الذي تولّد لديه، يقرّر أن يقف على مسافة من تلك الفكرة. واعتمادًا على هذا الانطباع المتولّد لديه، يعتقد “عبد الله” أن رأي “محمد” بعيد عن الرأي الصائب. ثم يقرر، اعتمادًا على ذلك، أن يقف أيضًا على مسافة من “محمد”.
- انطلاقًا من انطباعه حول تلك الفكرة، وانطباعه حول “محمد”، يكتب “عبد الله” ردًّا أو تعليقًا، يوضّح فيه المسافتين اللتين قرّرهما لنفسه تجاه الرأي، وتجاه “محمد”.
الحالة الأولى: انسحاب صاحب الفكرة
في بعض الأحيان، لا يردّ “محمد” على “عبد الله” لتوضيح رأيه، فيقطع بالتالي الحوار. وفي هذه الحالة، تكون النتيجة أن المسافة بين “محمد” و”عبد الله” تبقى كما حدّدها “عبد الله” اعتمادًا على انطباعه.
فإن كانت هذه المسافة متباعدة، فمن الذي يُلام عليها في هذه الحالة؟ في تقديري: الملوم هو “محمد” لأنه تخلّى عن واجب توضيح رأيه، فترك “عبدَ الله” محتفظًا بانطباعه عن المسافة بينهما، في حين أن واقع الأمر قد لا يكون كذلك لو وضّح رأيه أكثر.
بالتالي، فعوض أن تكون المسافة بين المتحاورين مسافةً حقيقيةً واقعيةً موضوعيةً، تصبح مسافة انطباعية مغلوطة، لأنها لا تعبّر عن المسافة الحقيقية.
الحالة الثانية: محاولة التوضيح
في الحالة الثانية، يبذل “محمد” مجهود توضيح رأيه لعبد الله، فيشرح أدلّته، ليبيّن أن “عبد الله” مخطئ في تقدير مسافته الانطباعية حول تلك الفكرة، ويحاول تقريب المسافة بين “عبد الله” وبين الفكرة الأصلية.
وفي انتظار جواب “عبد الله”، ما الذي يحصل في ذهن “محمد”؟ ما يحصل هو أنه يكوّن لنفسه انطباعًا حول “عبد الله”. بحيث تكون المسافة الناتجة عن انطباع “محمد” حول “عبد الله” مختلفةً عن المسافة الناتجة عن انطباع “عبد الله” نحو “محمد”. وفي هذه الحالة، يظن “محمد” أنه قرّب المسافة بينه وبين “عبد الله”، في حين أن الثاني بقي انطباعه كما هو، لم يتغيّر.
الحالة الثالثة: انسحاب المعترض
الآن: ماذا يمكن أن تكون ردة فعل “عبد الله” عند قراءة رد “محمد”؟ الجواب: إما أن لا يبذل الجهد لتعديل انطباعه اعتمادًا على المعلومات الجديدة التي أضافها “محمد”، أو أن يترك الرد.
فإن ترك الرد، نجد أن المتحاورين لم يعد لهما نفس الانطباع حول المسافة بينهما، وبالتالي فإن المسافة الحقيقية بينهما، بدلًا من أن يتم معرفتها بشكل جيد، تصبح “مسافة انطباعية”، مختلفًا في تقديرها وقياسها بين المتحاورين.
وفي غالب الأحيان تكون المسافتان الانطباعيتان مختلفتين عن المسافة الحقيقية بين الرجلين. وهذا الأمر من الضروري التنبّه إليه والتأكيد عليه.
في هذه الحالة، يصبح الحوار غير مفيد، بل يصبح ضارًّا، إن لم نقل خطيرًا، لأنه ينجرّ عنه أخطاء كثيرة في تقييم الرأي وتقييم الرجال بعضهم لبعض. لأن الحوار في أصله ينطلق إما لرغبة في تقريب وجهات النظر أو في تقريب بين المتحاورين. فإذا تخلّى أحد المتحاورين أو كلاهما عن استكمال عملية تعديل المسافة للوصول إلى المسافة الحقيقية، فإن الحوار يصبح ضارًّا.
قاعدة عامة في الحوارات
من هنا، أسوق قاعدة عامة في الحوارات كي تكون ناجحة: “لحساب المسافة الحقيقية بيننا كمتحاورين، نحتاج للاستمرار في توضيح الأفكار في مسار ذهاب وإياب لعدة مرات، حتى نضمن لأنفسنا الاستفادة من حواراتنا”.
والمثال الذي طرحته يعرض مقطعًا نموذجيًا واحدًا من عملية الحوار، أي: عرض فكرة، نقد الفكرة، إعادة توضيح الفكرة. وهذا المقطع يمكن أن يكون في بداية عملية الحوار، أو أثناءها، أو في نهايتها. ولو كرّرنا هذا المقطع مرات ومرات، فلا شك أننا سنجد حالات متعددة، تبيّن في آخر المطاف أن عملية الحوار تؤدي إلى سلسلة متحركة من حساب المسافات الحقيقية والانطباعية بين الأفكار وبين المتحاورين.
خطوات ضرورية لنجاح الحوار
الحوار ميدان حراك سريع، وعندما نريد بدءه مع أحد الأشخاص، يجب أن نقوم به بوعي ويقظة، كي لا يؤدي إلى نتائج عكسية. ومن الخطوات التي تهيّئ لنجاحه:
- تحديد الهدف: ما هو الهدف الذي أسعى لتحقيقه من الحوار؟ أهو معرفة المسافة بيني وبين محاوري؟ أم تطوير علاقتي به لمزيد التقارب؟ أم تصحيح المسافة بيننا؟
- وضوح التعبير: الحرص على وضوح التعبير عن الفكرة، حتى يفهم محاوري فكرتي تمامًا كما أردت له أن يفهمها. وهذا الأمر هو أصعب المراحل، لأنه يستدعي معرفة كافية بأسلوب تفكير المحاور.
- التركيز على نقاط الاتفاق: عدم تفويت الفرص أثناء الحوار لفرز النقاط المتّفق عليها والتركيز عليها وتذكير المحاور بها. وهذا على عكس ما يجري في العادة من التركيز على نقاط الخلاف وإن كانت ثانوية، وإغفال نقاط التلاقي وإن كانت كبيرة ورئيسية.
- الروح الإيجابية: الدخول في عملية الحوار بروح إيجابية متفائلة، تحسن الظن بالآخر، ولا تفسّر أي خطأ في التعبير أو في التفكير بأنه ناتج عن انحراف أصيل.
- قياس أهمية الأفكار: التنبّه إلى ضرورة قياس أهمية كل فكرة قبل التركيز عليها. فإن كان التركيز على فكرة مختلَف فيها سيؤدي حتمًا إلى تباعد وتنافر، فلماذا لا يُتجنّب الحديث فيها حرصًا على عدم التباعد؟
- عدم القطع في لحظة سيئة: عدم إنهاء الحوار في اللحظة التي يكون فيها حساب المسافات ضارًّا بالعلاقة بين المتحاورين.
- التلخيص عند الاضطرار للقطع: عند الاضطرار لقطع الحوار، من الضروري تلخيص ما تم التوصل إليه، وإيضاح الأمر حتى لا يؤدي قطع الحوار إلى توجيه رسالة سلبية وخاطئة للمحاور.
أخطر الأساليب في الحوار
ويبقى أهمّ المسائل في نجاح الحوار أن يتم التعامل مع المحاور كشخص مستقل عن غيره، وأن لا نحاكمه إلى أنماط جاهزة من الأشخاص نظن أنه يشبهها أو يعبّر عنها، فيصبح حوارنا معه أشبه بالحوار مع الآخرين.
ومثال ذلك أن نعمد إلى البحث عن فكرة أو عبارة في كلام المحاور فنستنتج أنه ينتمي إلى فرقة أو مذهب أو طائفة أو شيخ، فنعمد نتيجة ذلك إلى استحضار كل المقولات السائدة عن هذه الفرقة أو المذهب أو الطائفة أو الشيخ، ونستكمل حوارًا معه على أساس هذه المقولات التي لم يقلها بالضرورة. وهذا من أخطر الأساليب في الحوار، وعادة ما يؤدي إلى أحكام ظالمة في تقييم الأشخاص.