لو كنت أخطب في جمعة عن ترتيب الأولويات، لاخترت أن أبدأ بسؤال واحد: بعد مائة عام من الآن، أين سنكون؟
الجواب في غاية البساطة: لن يكون أحد منا في هذه الدنيا. نحن وأهلنا وأصدقاؤنا وخصومنا جميعا سنكون قد غادرنا، وستصبح بيوتنا لغيرنا، وتبهت أسماؤنا شيئا فشيئا في ذاكرة الناس. ليست هذه دعوة إلى الحزن، بل دعوة إلى الوضوح. فحين يزول وهم الدوام، تظهر الأشياء على حجمها الحقيقي.
وجودنا ومضة لا أكثر
حين يتأمل الإنسان الزمن الكوني الطويل، قبلنا وبعدنا، يدرك أن عمر الفرد ومضة عابرة. وهذا التأمل لا يهدف إلى تصغير الإنسان أو دفعه إلى اليأس، بل إلى تحريره من الأوهام التي تستنزف روحه ووقته. كثير مما نمنحه ثقلا هائلا اليوم سيتلاشى سريعا، وسيبدو بعد زمن قصير أقل شأنا بكثير مما نظن.
ولهذا يسأل القرآن: ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون (يس: 31). السؤال هنا ليس فقط عن الهلاك بوصفه عقوبة، بل عن المصير المشترك للأجيال: أين ذهبوا؟ وما الذي بقي منهم؟ ثم يأتي الجواب: وإن كل لما جميع لدينا محضرون (يس: 32). قد ينسى الناس، لكن شيء من أعمال البشر لا يضيع عند الله.
ما الذي يستحق الاهتمام فعلا؟
إذا استحضرنا هذا الأفق، تتغير الأسئلة التي تحكم حياتنا اليومية. لماذا نستهلك سنوات في القلق من نظرة الناس إلينا، مع أن هؤلاء الناس أنفسهم عابرون مثلنا؟ ولماذا تتحول المكانة الاجتماعية أو المناصب أو الخصومات الصغيرة إلى مراكز ثقل نفسي، مع أنها لا تملك في النهاية أي دوام؟
المشكلة ليست في العمل للدنيا أو في السعي للإنجاز، بل في تضخيم ما هو عابر حتى يبتلع ما هو جوهري. كثير من الناس يؤجلون الفعل الأهم، والكلمة الأهم، والمصالحة الأهم، بحجة أن الوقت ما زال واسعا. لكن التجربة البشرية كلها تقول العكس: الوقت يمر أسرع مما نتخيل، والأعمار لا تعطينا غالبا كل الفرص التي نتوهمها.
الأثر الحقيقي لا يشترط الضخامة
استحضار النهاية لا يعني الانسحاب من الحياة، بل إعادة معايرة الطموح. ليس المطلوب أن يخلد الإنسان في التاريخ، بل أن يترك خيرا حقيقيا في الناس وفي ميزان عمله. كثير من الأعمال الصغيرة أرسخ أثرا من المشاريع الكبيرة التي تُبنى طلبا للوجاهة.
إماطة الأذى عن الطريق، تعليم طفل، مواساة إنسان في ضيق، غرس شجرة، كلمة رحيمة، مساعدة صادقة لا يعلمها إلا الله: هذه الأعمال تبدو متواضعة في أعين الناس، لكنها قد تكون أصدق وأنفع من أعمال ضخمة يحكمها الاستعراض. والقرآن يقرر هذا المعنى بوضوح: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (الزلزلة: 7).
والأثر الصغير يمتد أحيانا بطريقة لا يراها صاحبه. كلمة طيبة قد تنبت في قلب إنسان خيرا لا تعرف مداه، وتعليم صادق قد ينتقل من جيل إلى جيل. لهذا لا ينبغي احتقار الخير المتواضع ولا تأجيله بحجة أن أثره محدود.
لحظة الندم التي لا تنفع بعدها العودة
حين تنكشف للإنسان الحقيقة في آخر الطريق، يرى على الأرجح كم ضاع من عمره في ما لا يستحق. ولهذا ينقل القرآن صرخة الندم: رب ارجعون. لعلي أعمل صالحا فيما تركت (المؤمنون: 99-100). هذه الآيات لا تُراد لإخافة الإنسان فقط، بل لتوقظه قبل أن يصل إلى تلك اللحظة.
وفي سورة الفجر: يقول يا ليتني قدمت لحياتي (الفجر: 24). الحياة الحقيقية ليست هذه الومضة العابرة، بل ما بعدها. ومن الحكمة أن يُبنى لتلك الحياة من الآن، لا أن يؤجل الإنسان كل إصلاح إلى وقت مناسب قد لا يأتي.
التحرر من ضغط التوقعات
من ثمار هذا التأمل أيضا التحرر من ثقل أحكام الآخرين. كم من الناس يبددون أعمارهم وهم يحاولون إثبات شيء لأشخاص لن يتذكرهم أحد بعد سنوات قليلة؟ وكم من اختيارات تتشكل بدافع الخوف من النقد أو الحرص على الانطباع الاجتماعي؟
هذا الإدراك لا يدعو إلى احتقار الناس أو إهمال المسؤوليات الاجتماعية، بل إلى التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مسرحي. العلاقات الصادقة، المسؤوليات الفعلية، والحقوق المتبادلة أمور جوهرية. أما كثير من الضغوط الاجتماعية فهامشي، مهما بدا في لحظته شديد الإلحاح.
خاتمة
بعد مائة عام لن تبقى لنا هذه اللحظة بكل ضجيجها الحالي. ستزول المناصب، وتنتقل البيوت، وتخفت الأسماء، وتفقد نقاشات كثيرة وزنها. وما سيبقى حقا هو ما قُدّم من خير، وما تُرك من أثر صادق، وما بُني في النفس من وعي واستقامة.
لهذا لا يستحق ما هو عابر أن يبتلع ما هو دائم. والوضوح الذي يمنحه استحضار الفناء ليس سوادا، بل رحمة: أن يعرف الإنسان ما ينبغي أن يقدمه قبل أن يفوت الأوان.