في كتابي “أزمة المنطلقات والأولويات في تونس”، أردت أن أطرح سؤالًا مختلفًا: ماذا لو كانت أزمتنا ليست في البرامج التي نضعها، بل في الأسس التي ننطلق منها؟

السؤال الذي لا نطرحه

لا تنقصنا الخطط ولا الاستراتيجيات. الأوراق الرسمية تملأ الأدراج، والوعود الانتخابية تتكرر كل موسم. ما ينقصنا هو الاتفاق على سؤال أعمق: إلى أين نريد أن نذهب أصلًا؟ ومن أي نقطة نبدأ؟

ثنائيات تُفسّر الصراع السياسي

حاولت في الكتاب تفكيك ما يبدو صراعًا بين يمين ويسار، لأكشف أنه في جوهره صراع حول ثنائيات أعمق:

تيار الهوية مقابل تيار المصلحة: الأول يرى الدولة تجسيدًا لذاتٍ جماعية لها تاريخ ورموز. الثاني يسأل: ما فائدة هوية عريقة إذا كان المواطن غارقًا في البطالة؟

النخبة المرجعية مقابل النخبة البراغماتية: نخبة تنطلق من مرجعيات ثقافية وحضارية محددة مقابل نخبة تسأل أولًا: ما الذي ينجح؟

الدولة كحامية مقابل الدولة كمُمكِّنة: من يرى الدولة مسؤولة عن تأمين الحياة للمواطن، ومن يرى دورها تهيئة البيئة للمبادرة الخاصة.

ما يجعل هذه الثنائيات خطرة

حين تظل هذه الثنائيات ضمنية وغير معترف بها في النقاش السياسي، تتحول إلى حروب هوية بلا نتيجة: كل طرف يجيب عن سؤال مختلف، ولا أحد يلاحظ أنهم لا يتحدثون عن الشيء نفسه.

السياسي الذي يطرح برنامجًا اقتصاديًا يُخاطَب بسلاح الهوية. والسياسي الذي يتحدث عن الهوية يُهاجَم بمعطيات البطالة. وكلاهما يتحدث عبر بعضهما دون أن يلتقيا.

ما يستلزمه الحل

الحل لا يبدأ بالبرامج بل بالاتفاق الصريح على ترتيب الأسئلة:

  1. أي نوع من الدولة نريد؟
  2. ما القيم التي لا نتفاوض عليها؟
  3. ما الأولويات التي يجمعنا الاتفاق عليها قبل الانتقال إلى البرامج؟

خاتمة

الأزمة التونسية — مثل كثير من الأزمات العربية — ليست في غياب الكفاءات أو الموارد. هي في غياب لغة مشتركة تُتيح الحوار حول الأساسيات قبل الاصطراع حول التفاصيل.