في مارس 2015، حين كانت قضية هيلاري كلينتون واستخدامها البريد الإلكتروني الشخصي في مراسلات وزارة الخارجية الأمريكية تُشغل الرأي العام الغربي، تذكّرت فورا واقعة عشتها قبل ذلك في تونس. واقعة مختلفة تماما في حجمها وسياقها، لكنها تحمل نفس الجوهر: الخلط بين الخاص والعام، وبين منصب الدولة والمصلحة الشخصية، وبين الشفافية المؤسسية والتفاف عليها.
لا أرى في هذه المقارنة إهانة لأحد. أرى فيها كشفا لشيء أعمق: الفساد الصغير المعتاد والفساد الكبير المثير للضجة ينتميان في الغالب إلى نفس البنية الذهنية، وإن اختلفا في الحجم.
الواقعة
في عام 2014، وخلال حكومة المهدي جمعة التي قُدِّمت للرأي العام بوصفها “حكومة تكنوقراط” بعيدة عن الحزبية، التقيت بوزير من وزرائها في سياق مهني. كنت أعمل على مشروع يبحث عن تمويل. وعوض أن يُعرّفني على القنوات الرسمية أو يُرشدني إلى الجهات المختصة، جاء اقتراحه مختلفا:
“لديّ جمعية مدنية أسستها زوجتي وأخته. لديهم الهيكل القانوني لكنهم عاجزون عن صياغة مقترحات مشاريع تُقنع الممولين. لماذا لا تُقدّم مشروعك باسم الجمعية؟”
ثم ناولني بطاقة أعماله الرسمية كوزير. وعلى ظهرها كتب بخط يده إيميله الشخصي على منصة Hotmail، مُضيفا بنبرة عادية تماما: “أنا لا أقرأ دائما إيميلي الرسمي، فتواصل معي على هذا.”
وضعت البطاقة في جيبي، وصفحت له، ومشيت. ومنذ ذلك اليوم لم أتصل به بكلمة واحدة.
تشريح المشهد: ثلاث مخالفات في جملتين
ما جرى في هذا اللقاء القصير يُجسّد ثلاث مخالفات مؤسسية في جملتين فقط:
المخالفة الأولى — تعارض المصالح: وزير يُوجّه مشروعا نحو جمعية يرتبط بها عائليا عبر زوجته وأخته. هذا، في تقديري، يندرج بوضوح ضمن ما تُسمّيه أدبيات الحوكمة تعارضا في المصالح. فالمنصب الحكومي يُعطيه سلطة تأثير أو على الأقل سلطة إرشاد وفتح أبواب، وتوجيه هذه المكانة نحو مصلحة شخصية أو عائلية هو بالضبط ما تسعى قواعد الحوكمة إلى منعه أو تقييده بشدة.
المخالفة الثانية — التحايل على قواعد الشفافية: البريد الرسمي موجود لسبب: كل مراسلة موثّقة، وكل طلب مسجّل، وكل قرار قابل للمراجعة والمحاسبة. استخدام البريد الشخصي يُغيّب هذا كله. قد لا تكون هذه المراسلة بالغة الحساسية، لكن العادة التي تُبنى هنا خطيرة: أن الاتصالات الحساسة يمكن أن تجري خارج القنوات الرسمية.
المخالفة الثالثة — الالتفاف على جهة التمويل: تقديم مشروع باسم جمعية لا علاقة لها بالفكرة الفعلية هو التفاف واضح على روح العلاقة مع المانح. فالممول يختار شريكه بناء على هويته وكفاءته وتاريخه، لا على اسم هيكل قانوني فارغ يُقدَّم واجهة.
الفساد المعتاد: الأخطر لأنه الأكثر انتشارا
ما يجعل هذه الواقعة ذات قيمة تحليلية هو أن الرجل لم يكن يشعر على الأرجح بأنه يرتكب شيئا استثنائيا. لم يتكلم بصوت منخفض ولم يُلح في طلبه. كان يتصرف بنبرة رجل يقترح شيئا عاديا في سياق عادي.
وهذا بالضبط ما يُسمّيه المختصون في الحوكمة المؤسسية “الفساد الثقافي” أو “الفساد العرضي”: ليس الفساد المتعمد الذي يُحكم صاحبه الإخفاء والتخطيط، بل السلوك المنحرف الذي أصبح في الوعي المؤسسي شيئا طبيعيا لا يُثير تساؤلا ولا يستدعي تفكيرا.
الفساد الكبير المُعلن — الرشوة الصريحة والاختلاس الواضح — يصعب تطبيعه لأنه يبقى في وعي أصحابه انتهاكا واعيا. أما الفساد المعتاد فأخطر لأنه يُولَّد لا من الخبث بل من الثقافة: لأن الجميع من حولك يفعل الشيء نفسه، ولأن القنوات الرسمية بطيئة وغير موثوقة، ولأن الشبكات الشخصية تعمل بكفاءة أكبر من الإجراءات الرسمية — فالالتفاف عليها يبدو ذكاءً عمليا لا مخالفة أخلاقية.
ماذا يقول هذا عن “حكومات التكنوقراط”؟
الحكومات التي تُشكَّل تحت شعار “تكنوقراط” أو “كفاءات” لا تنجو تلقائيا من هذه الأنماط. لأن التكنوقراطي المعيَّن في منصب وزاري يحمل معه ثقافته المؤسسية السابقة، سواء كانت من القطاع الخاص أو الأكاديمي أو من تجربة سياسية سابقة.
ما يُحدد السلوك المؤسسي ليس بالدرجة الأولى نوايا الأشخاص — معظم الناس يريدون أن يكونوا نزيهين — بل البيئة المؤسسية التي يعملون فيها: هل توجد قواعد واضحة لتعارض المصالح؟ هل هناك رقابة فعلية على استخدام موارد الدولة؟ هل إبلاغ الجهات الرقابية عن المخالفات آمن ومُكافأ أم مُضرّ بصاحبه؟
في غياب هذه العناصر، يعود الناس — حتى ذوو النوايا الحسنة — إلى ما يعرفونه: منطق الشبكات والقنوات غير الرسمية والمصالح المتشابكة.
ما الذي يُمكن بناؤه فعلا؟
تجارب الحوكمة الناجحة في دول مختلفة تُبيّن أن تغيير الأنماط يتطلب ثلاثة مستويات متكاملة:
على مستوى التشريع: قوانين واضحة وقابلة للتطبيق لتعارض المصالح، تُلزم كل مسؤول بالإفصاح عن علاقاته بالجمعيات والشركات التي قد تتأثر بقراراته، مع عقوبات تُطبَّق بصرف النظر عن مكانة المخالف.
على مستوى الإجراءات: أنظمة بريد رسمي إلزامية لكل المراسلات المهنية، وبروتوكولات واضحة لتسجيل الاجتماعات وتوثيق القرارات، وقنوات مضمونة للإبلاغ عن المخالفات تحمي المُبلِّغ من الانتقام.
على مستوى الثقافة المؤسسية: وهذا الأصعب والأهم. الثقافة لا تتغير بمرسوم بل بنماذج: مسؤول يُعلن عن تعارض مصالح ويُعفي نفسه من قرار بعينه بدل الاستفادة منه يُرسّخ نموذجا أقوى من عشرة قوانين.
خاتمة
بطاقة وزير بإيميل Hotmail على ظهرها — هذه الصورة الصغيرة تختزل أزمة كبيرة. ليست الأزمة في النوايا بل في المنظومة: في ثقافة مؤسسية جعلت هذا التصرف طبيعيا، وفي غياب قواعد تجعله مكلفا.
وما لم تتغير هذه المنظومة — بقوانين وإجراءات وثقافة وقدوة ونماذج حية — فإن الوجوه ستتبدل والنمط سيبقى. ولا فائدة من “حكومة كفاءات” إذا كانت تعمل داخل منظومة ثقافية تُطبّع الفساد المعتاد وتجعله لا مرئيا.