من أصعب الأمور أن تُعبّر دائما عن موقف صائب وأنت تتعامل يوميا مع عالم معقد متشابك. كلما أكثرت التعليق على الأحداث — في تونس ولبنان وإيران والسعودية، وفي قضايا السلفية والشيعة والإلحاد والعلمانية، والصراعات الإقليمية والتحولات الاجتماعية — كلما ارتفع احتمال الوقوع في الخطأ أو التناقض.

وقد أقررت لنفسي بهذا الاحتمال منذ زمن. لكنني وجدت أن الحل ليس الصمت — فالصمت في أحيان كثيرة تخلٍّ عن مسؤولية المثقف وإهدار للتجربة المتراكمة. الحل هو بناء منهجية واضحة في صياغة الموقف، تُحصّن صاحبها من التناقض وتُبقيه أمينا لمبادئه حتى حين يضغط الانفعال أو تتسارع الأحداث وتتشابك الأطراف.

هذه المنهجية ليست صيغة ذهبية جاهزة. هي مجموعة ضوابط عملية أجد نفسي أعود إليها كلما شعرت أن الموقف يميل إلى الانزلاق نحو الانفعال أو الانتقائية أو التبسيط. وأُشاركها هنا لأن الفضاء العام العربي يحتاج كثيرا من هذه المنهجية في زمن تُكافئ فيه منصات التواصل الاجتماعي الصراخ على التأمل والردّ السريع على الحكم المعمّق.

الضابط الأول: التثبت قبل الحكم

يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا أن تُصيبوا قوما بجهالة فتُصبحوا على ما فعلتم نادمين (الحجرات: 6). هذا الضابط ليس فقط أخلاقيا بل إجرائيا: لا تُعلّق على خبر لم تتحقق من مصدره ومن سياقه. في عصر التواصل الاجتماعي، الأخبار الكاذبة أو الناقصة أسرع انتشارا من الصحيحة بفارق كبير. والإنسان الذي يُعلّق بناء على عنوان قبل قراءة المحتوى، أو يتشارك خبرا قبل التثبت من صحته، يُشارك في توسيع دائرة التضليل بنية حسنة. ومن يُعلّق أولا يندم كثيرا.

الضابط الثاني: التمييز بين الخطأ والجريمة

لا تُعامل كل خطأ معاملة الجريمة، ولا كل جريمة معاملة الجريمة العادية. الخطأ غير المقصود يُصحَّح برفق واحترام، والخطأ المتكرر يستدعي التنبيه الأشد، والجريمة المتعمدة تستحق المواجهة الصريحة. الخلط بين هذه المستويات يُنتج خطابا مفرطا في إدانة الهفوات ومتساهلا مع الانتهاكات الكبرى، أو ربما العكس. ومن يصرخ بنفس القوة على كل شيء لا يُسمع في النهاية على أي شيء.

الضابط الثالث: الحذر من التعميم

“الشعب الفلاني كله…”، “جميع الإسلاميين…”، “كل العلمانيين…” — هذه التعميمات تُريح العقل الكسول لكنها تُخطئ دائما وتُهين من تُصفهم. كل مجموعة بشرية فيها تنوع داخلي حقيقي، وكل موقف جماعي منسوب له استثناءاته وتفاصيله. من يُدرك هذا ينطق بموقف أكثر دقة وأقل اعتراضا وأكثر تأثيرا، لأنه يكسب من داخل المجموعة ذاتها لا يُنفّرهم بالجملة.

الضابط الرابع: الاعتراف بالتعقيد

بعض القضايا لا تحتمل موقفا أحادي البُعد لأنها هي نفسها متعددة الأبعاد. الصراع المسلح مثلا له دائما ضحايا من أطراف متعددة، وله سياق تاريخي، وله بُعد حقوقي وبُعد سياسي وبُعد إنساني. الموقف الذي يرى طرفا مظلوما مطلقا وطرفا ظالما مطلقا في كل مواجهة معقدة هو موقف مبسَّط لا موقف مبدئي. والتبسيط هنا ليس فضيلة الوضوح بل رذيلة إغفال ما لا يلائم الصورة المسبقة.

الضابط الخامس: الفصل بين الانفعال والحكم

الانفعال إنساني ومشروع، وكثيرا ما يُعبّر عن ضمير حي. لكن الحكم العقلاني الذي يُعبّر عنه باسم مبادئ يجب أن يصمد بعد انقشاع الانفعال. ما لا يصمد للنقد الهادئ في اليوم التالي لا ينبغي نشره في حمأة الانفعال اليوم. قاعدة عملية: قبل نشر موقف أكتبه في لحظة تأثر، أضعه جانبا لساعات أو يوم، ثم أعود إليه بعقل أكثر هدوءا. ما تغيّر أُصلحه، وما بقي ثابتا أنشره بثقة أكبر.

الضابط السادس: الاعتراف بمحدودية المعلومة

“لا أعرف” إجابة شريفة وغالبا ما تكون أكثر مصداقية من الإجابة المتسرعة. الادعاء بمعرفة ما لا يُعلم كذب خفي حتى حين لا يُقصد. والمختص الحقيقي يُدرك بدقة حيث تنتهي خبرته وتبدأ خبرة غيره. والكاتب الذي يُعلّق على كل شيء بنفس الثقة في كل مجال يُوحي إما بعبقرية نادرة أو بجرأة تفوق العلم.

الضابط السابع: رفض الحجة الشخصية

النقد يجب أن ينصبّ على الأفكار والأفعال لا على الأشخاص وبواطنهم ودوافعهم الخفية. “هو يقول هذا لأنه مأجور”، “لأنها تبحث عن الشهرة”، “لأنه يكره الإسلام” — هذه تعليقات على الشخص لا حجج على الفكرة. وحتى لو كانت التهمة صحيحة، فهي لا تُثبت خطأ الحجة ولا تُغني عن ردّها. الحجة ترد بحجة مضادة، لا بالتشكيك في صاحبها.

الضابط الثامن: الانتقاء لا الانتقائية

الانتقاء هو التركيز الذي يُعلي من جودة الكلام: أختار ما أتكلم فيه بحسب ما أعرفه وما أُضيفه. الانتقائية هي التحيّز الذي يُفرّغ المبادئ من محتواها: أُدين جريمة من طرف وأتجاهل جريمة مماثلة من طرف آخر بحسب ولائي. وهذا النوع من الانتقائية هو أشد ما يُدمّر مصداقية المثقف لأنه يكشف أن المبادئ المُعلنة ليست سوى أقنعة للمواقف الأيديولوجية.

الضابط التاسع: القدرة على المراجعة

الثبات على الموقف حين تدعمه الأدلة فضيلة. التصلب على الخطأ حين تتغير المعطيات رذيلة. من لا يُراجع مواقفه حين تظهر أدلة جديدة أو حين ينتبه إلى زاوية غاب عنه تقديرها، يُقدّم كرامته الشخصية على حساب الحقيقة. والاعتراف العلني بالمراجعة — “غيّرت رأيي لأن…” — مصدر قوة ومصداقية لا مصدر ضعف كما يتوهم بعضهم.

الضابط العاشر: العدل مع الخصم

هذا الضابط هو الأصعب والأهم. القرآن يقول: ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (المائدة: 8). لفظ “شنآن” يعني البغض الشديد. فحتى البغض لا يُبيح الظلم. العدل مع من لا نحب — بل مع من يُعادينا — هو الاختبار الحقيقي للمبادئ. من يُطبّق العدل فقط على أصدقائه لا يُطبّقه أصلا بل يُطبّق المحاباة.

خاتمة

أُقرّ أنني لا أُطبّق هذه الضوابط العشرة بكمال دائم. أقع في الخطأ وأتناقض أحيانا وأنفعل أكثر مما ينبغي. لكن وجود الخريطة يُساعد على العودة إليها حين يظهر الانزلاق. والهدف ليس الكمال المستحيل بل التحسن المتراكم.

وأُشارك هذه الضوابط لأن الفضاء العام — ولا سيما العربي منه — يحتاج ثقافة جديدة في التعبير عن الرأي: ثقافة تُميّز بين المعلومة والحجة، وبين الانفعال والموقف، وبين الانتقاء الأمين والانتقائية المتحيزة. وهذه الثقافة لا تُبنى بمرسوم بل بممارسة فردية يومية متراكمة. وأبسط اختبار لها أن يسأل المرء نفسه قبل النشر: هل أنا أضيف فهما أم أضيف ضجيجا؟