من يخوض معارك خاسرة لسنوات دون مكسب، عليه أن يراجع المسار: إمّا أن يغيّر المعركة، أو يغيّر أدواتها ومنهجها—changer l’épaule pour son fusil.
نعم، توجد معارك تحتاج إلى صبر طويل وثبات على المبدأ، كمَن يبدأ نضالًا ضد ظلم مستحكم أو يؤسّس لفكرة لم يألفها المجتمع بعد. هذه معارك شرعية تستحق الاستمرار حتى لو لم تُثمر سريعًا. لكن يوجد نوع آخر: معارك قديمة تكرّرت بنفس الأدوات ونفس الخطاب لسنوات—بل ربما لعقود—ولم تحقّق أي تقدّم قابل للقياس. هنا يكمن الفرق بين الثبات المبدئي والجمود الأداتي. الأول فضيلة، والثاني استنزاف.
عندما نتحدث عن النضج في اختيار المعارك، فإننا نعني القدرة على طرح ثلاثة أسئلة جوهرية:
-
السؤال الأول: ما الغاية الواضحة والقابلة للقياس من هذه المعركة؟ متى نعدّها محقَّقة؟ وما المؤشرات التي تدلّنا على التقدّم أو الفشل؟
-
السؤال الثاني يتعلق بحساب الكلفة والمنفعة: كم من الوقت والجهد والسمعة والعلاقات سنستثمر، وما الأثر الواقعي الملموس الذي نتوقّعه في المقابل؟
-
السؤال الثالث يخصّ المرونة: هل نملك القدرة على الاعتراف بعدم الجدوى، وتغيير الساحة أو الأداة دون التفريط بالمبدأ؟
هذا الميزان الثلاثي ليس رفاهية نظرية، بل هو البوصلة التي تحمينا من الوقوع في فخّ الصراع من أجل الصراع، حيث يصبح الخطاب غايةً في ذاته، والمعركة هويةً بديلة، لا وسيلةً لتحقيق تغيير.
- أربعة فضاءات لتطبيق الميزان:
العلاقات الشخصية: من الجدال إلى التفاهم
في علاقاتنا الشخصية، كثيرًا ما نجد أنفسنا عالقين في جدالات متكررة لا تغيّر سلوكًا ولا تُنتج تفاهمًا. النضج هنا يعني ترك الحلقة المفرغة والانتقال إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ: اتفاقات صغيرة، توقيت محدّد، التزامات واضحة يمكن تتبّعها. قد نكتشف أن المشكلة ليست في المبدأ، بل في غياب الآليات العملية لتطبيقه.
الأسرة: من اللوم إلى البناء
وفي الفضاء الأسري، يتجلّى النضج في استبدال لغة اللوم المتكررة بلغة القواعد والروتين. بدلًا من الانفجارات اللحظية كلما تكرّرت المشكلة، يمكن وضع تقويم أسبوعي، وتوزيع مهام واضح، ومراجعة هادئة دورية. النتيجة: تحويل الطاقة من الشكوى إلى البناء.
العمل المدني: من الشعارات إلى الأثر
أما في العمل المدني، فالنضج يظهر في تحويل الطاقة من صراعات رمزية على المنصّات الرقمية إلى مبادرات تسدّ فجوة حقيقية في المجتمع. خدمة ملموسة، تدريب نوعي، شبكة دعم فعّالة—هذه هي المعارك التي تُراكم أثرًا بعيد المدى، بينما الصراخ على وسائل التواصل قد يُشبع الانفعال لكنه نادرًا ما يُغيّر واقعًا.
الفضاء السياسي: من الاستنزاف إلى التراكم
وفي الفضاء السياسي—ومنه المشهد التونسي—يتطلب النضج تفضيل معارك تُراكم مكاسب مؤسّسية أو قانونية صغيرة على معارك شعاراتية تستنزف الطاقة ولا تغيّر شيئًا. بناء تحالفات ممكنة، تحديد جمهور أوليّ واضح، وتدرّج المطالب بدل منطق “الكلّ أو لا شيء”—هذا هو الفرق بين الحركة السياسية الناضجة والحركة الانفعالية.
- عن المواقف الاستقطابية الحادّة
ثمة مواقف تستنزف الوقت والجهد والأعصاب لسنوات—وربما عقود—ولا طائل من ورائها؛ لم تُحقّق لأصحابها أي نتيجة قابلة للقياس. الإصرار على نفس السقف الخطابي ونفس أدوات الضغط، مع ثبات النتائج عند الصفر، ليس ثباتًا على المبدأ بل جمود على الوسيلة.
لنكن صريحين: حين تجد نفسك تكرّر نفس الخطاب لعشر سنوات، وتواجه نفس الجمهور بنفس الحجج، وتحصد نفس ردود الفعل، فأنت لا تناضل—أنت تؤدّي طقسًا. النضج هنا هو الانتقال من معركة تُشبع الانفعال إلى معركة تُنتج أثرًا.
عندما تقرّر خوض معركة، ابدأ بتحديد “مربّع الأثر”: أين أملك نفوذًا حقيقيًا خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة؟ هذا السؤال يُخرجك من وهم القدرة المطلقة، ويجعلك تركّز على ما يمكن تحقيقه فعلًا.
وإن كانت الغاية ثابتة، فلتكن الوسائل مرنة. بدّل ما يمكن تبديله: اللغة، القناة، التحالف، التوقيت. الإصرار على أداة واحدة لأنها “مبدئية” هو خلط بين القيمة والأسلوب. القيمة تبقى، أما الأسلوب فيتطوّر.
وتعلّم أن توقف النزف مبكّرًا: عندما تتكرّر نفس النتيجة ثلاث مرات، أعد تصميم التجربة. الإصرار على التكرار ليس صبرًا، بل هو تجاهل للواقع.
في التراث الإسلامي، الحكمة ليست معرفة الحق فحسب، بل وضعه في موضعه: اختيار التوقيت المناسب، تقدير العواقب، والرفق في الأمر. النضج الذي نتحدث عنه اليوم هو تطبيق عملي لهذه الحكمة:
-
لا نتخلّى عن المبادئ، بل نُتقن حركتها.
-
نختار معارك لها معنى، نديرها بأدوات تُثبت جدواها، ونملك شجاعة تغيير المسار حين يثبت العقم.
هكذا فقط ننتقل من ضجيج طويل إلى أثر قصير ومتصاعد. وهكذا نحوّل الطاقة من الاستنزاف إلى البناء، ومن الشعار إلى الإنجاز.