بين الإصلاح والثورة: كيف أُصنّف نفسي سياسيًا؟
الإصلاحي هو شخص يسعى إلى تغيير الأوضاع القائمة من خلال تحسينها تدريجياً ضمن الأطر القائمة، مثل القوانين والمؤسسات.
الإصلاح يتسم بالاعتدال ويركز على معالجة المشاكل دون إحداث قطيعة كاملة مع النظام القائم. والإصلاحيون يؤمنون بأن التغيير التدريجي أكثر استدامة وأقل تكلفة من الناحية الاجتماعية والسياسية.
أما الثوري، فهو شخص يسعى إلى تغيير جذري وشامل للنظام القائم، غالباً من خلال إحداث قطيعة تامة معه.
الثورات ترتبط عادة برغبة في إسقاط النظام أو الهيكل القائم واستبداله بنظام جديد. والثوريون يعتقدون أن النظام الحالي فاسد بشكل جذري ولا يمكن إصلاحه من الداخل.
من الممكن لشخص أن تكون مواقفه إصلاحية تجاه وضع دولة معينة، وثورية تجاه وضع دولة أخرى، بناءً على طبيعة النظام القائم في كل دولة (نظام في دولة معينة يمتلك مرونة وقابلية للإصلاح، أو مستبد وغير قابل للإصلاح)، والسياق التاريخي والاجتماعي (ظروف تستدعي التغيير الجذري أو التحسين التدريجي)، والأهداف والمصالح، والموقف الأخلاقي أو السياسي (مرتبط بمبادئ الشخص أو مدى قربه من الوضع أو تأثيره عليه).
كيف أصنّف نفسي عند رؤية المواقف والأحداث، كتونسي مثقف/تكنوقراط يعيش في كندا؟
على مدى أكثر من 25 عاماً من الإقامة، والتراكم المعرفي، وخبرات الوظيفة، وتجارب الحياة في كندا، تشكّلت رؤيتي كإصلاحي يؤمن بالتغيير التدريجي والمدروس كخط أساسي في الفكر والممارسة. ولكن رغم ذلك، لم أتردد في دعم الثورات العربية الكبرى، وخاصة في تونس وسوريا وليبيا، انطلاقاً من إيماني بحق الشعوب في الحرية والتعددية والمواطنة الكاملة والكرامة والعدالة الاجتماعية وجودة الحياة، التي تستوجب جميعُها أوّلا التحرر من الأنظمة الاستبدادية.
مارست مسؤوليتي كتونسي متخصص في الحوكمة وقياس الأداء، من خلال اقتراح منظومات وحلول تكنولوجية تهدف إلى دعم التغيير الجذري في تونس، خاصة في المرحلة الانتقالية التي تلت الثورة. وقدّرت أن التغيير الجذري لا يتعارض مع المنهج الإصلاحي إذا كان مبنياً على أساسات مدنية وسلمية، توفر أدوات تدعم التحول الديمقراطي وتُرسخ قيم الشفافية والمساءلة.
ومع ذلك، كانت هناك دائماً فجوة بين دعمي الفكري والعاطفي للثورات العربية وتحفظاتي تجاه اعتماد السلاح والاقتتال كوسيلة للتغيير.. وجدت صعوبة بالغة في تبرير حمل السلاح، حتى في الحالات التي بدا فيها ذلك خياراً لا مفر منه. هذا التناقض بين دعمي للثورات المدنية السلمية وتحفظي على الثورات المسلحة دفعني إلى إعادة النظر في مواقفي وتحليلاتي.
اليوم، وبعد سنوات من الكتابة والتفاعل مع الثورات الليبية والسورية، أصبحت أكثر تحفظاً في دعمي العلني، ليس تخلياً عن المبادئ، ولكن حرصاً على التماسك بين خطي الأساسي كإصلاحي ودعمي للخط الثوري المدني..
أؤمن أن التغيير الحقيقي يتطلب رؤية متوازنة تجمع بين إحداث تحول جذري والحفاظ على القيم الإنسانية التي لا تُحققها الوسائل العنيفة.