سألني صديق ذات مرة سؤالا بدا بسيطا في ظاهره لكنه أثار في ذهني تأملا طويلا: “صحيح البخاري — هل هو كتاب تاريخ أم كتاب دين أم كتاب علم؟”

السؤال ليس ترفا فكريا. لأن الإجابة عنه تُحدد بشكل مباشر كيف ينبغي أن نتعامل مع هذا الكتاب: هل نتعامل معه كنص مقدس معصوم من الخطأ كالقرآن؟ أم كوثيقة تاريخية قابلة للنقد والتحقيق؟ أم كعمل علمي بشري له معاييره ومنهجه ومحدوديته؟ ومن الإجابة تنبثق مسائل كبرى تمسّ الفقه والتشريع والعقيدة وطريقة قراءة الموروث الإسلامي كله.

ما الذي يعنيه “الدين”؟

لفهم ما إذا كانت كتب الحديث “دينا”، لا بد أولا من تحديد ما معنى الدين. واللافت أن كثيرا من الجدل حول الحديث يدور دون أن يتوقف أصحابه عند هذا السؤال الجوهري.

يُقدّم عبد الله دراز في كتابه “الدين” تعريفا فلسفيا دقيقا يستوعب الأديان المختلفة دون اختزال. عنده الدين يقوم على ستة عناصر: أن يكون ثمة كيان خارج الإنسان، وأن يكون ذلك الكيان غير مرئي، وأن يكون فاعلا ومؤثرا، وأن تكون طبيعته روحية، وأن يكون في مرتبة أعلى من الإنسان، وأن يكون أهلا للتعبد والتعظيم. هذه العناصر الستة تصف ما تنتسب إليه العبادة والالتزام الديني.

بهذا الفهم، الدين هو العلاقة مع الله — عبادة، وطاعة، وتوجها. وما جاء من عند الله بطريق قطعية هو ما يُلزِم الإنسان دينيا. أما ما دوّنه البشر عن تجربتهم مع الوحي وعن سيرة النبي ومعاملاته وعاداته، فهو مادة قابلة للدراسة والنقد والترجيح، وقد تكون جزء من الدين أو لا تكون حسب درجة ثبوتها ونوع دلالتها.

السنة وكتب الحديث: تمييز لا بد منه

قبل الجواب عن سؤال التصنيف، يجب التمييز بين شيئين كثيرا ما يختلطان في الجدل العام: السنة النبوية من حيث هي بيان وهدي ومصدر من مصادر الفهم الديني، وكتب الحديث من حيث هي مدونات بشرية جمعت ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد ومناهج مختلفة. الخلط بين الاثنين هو الذي يجعل بعض الناس يرفعون الكتاب إلى مرتبة الوحي، ويجعل آخرين يردّون التراث الحديثي كله دفعة واحدة.

فالسنة من حيث الأصل والمقام غير المدونة التي نقلتها، كما أن النص القرآني غير كتب التفسير التي شرحته. وهذا التمييز لا يُضعف قيمة البخاري، بل يضعه في مكانه الصحيح.

كتب الحديث: ثلاثة أوجه في آن واحد

الجواب الصحيح عن سؤال صديقي ليس واحدا بل ثلاثة في آن معا.

كتب الحديث كتب تاريخ: هي في المقام الأول وثائق لتدوين التجربة النبوية وتفاصيل حياة المجتمع الأول. أقوال النبي وأفعاله وتقريراته، وأحوال الصحابة ومواقفهم، وسياق التشريعات الأولى — كل هذا مادة تاريخية ذات قيمة استثنائية. ولهذا لا يصح قراءتها من غير إدراك السياق التاريخي الذي وُثّقت فيه: من أين روى الراوي؟ ما علاقته بالمروي عنه؟ ما الظرف الذي أُخذ فيه الحديث؟ هذه أسئلة تاريخية تستدعي أدوات تاريخية.

كتب الحديث مصدر للفهم الديني: جزء كبير مما في كتب الحديث يخدم الفقه والأخلاق وفهم البيان النبوي للقرآن بصورة مباشرة. فهم الصلاة لا يكتمل من القرآن وحده بل من التوضيحات النبوية المنقولة، وكذلك الحج والزكاة وسائر الأحكام التفصيلية. وهذا الجزء هو ما يخدم الدين ويُستفاد منه في بناء الفهم، لكن بدرجات متفاوتة من الثبوت والدلالة، لا على صورة كتلة واحدة متجانسة.

كتب الحديث عمل علمي بشري: البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم كانوا علماء بشرا بذلوا جهدا هائلا في جمع الروايات وتمحيصها. لكن المنهج البشري مهما بلغ لا يصل إلى العصمة. وقد عرف المحدثون أنفسهم هذا: الإمام مسلم انتقد البخاري في بعض ما أخذه، وأصحاب مسلم انتقدوا شيخهم، وهكذا. والمنهج النقدي الداخلي لعلم الحديث دليل على أن أهله أنفسهم لم يتعاملوا مع هذه الكتب كنصوص مقدسة بل كمنجز علمي قابل للمراجعة.

الفارق الحاسم: قرآن وحديث

ما يجعل القرآن وحيدا في مرتبته هو أن الله تولّى حفظه بنص صريح: إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون. ولا يوجد نص مماثل يتكفّل بحفظ كتب الحديث من التحريف أو الخطأ أو النقص. وقد بقي القرآن متواترا قطعيا في كل حرف ووقف وترتيل، بينما تفاوتت كتب الحديث في درجات الثبوت تفاوتا كبيرا حتى في ما صنّفه أصحابها أنفسهم ضمن “الصحيح”.

وهذا لا يعني الاستهانة بكتب الحديث ولا التشكيك في قيمتها الكبيرة. يعني فقط ضبط المكانة المعرفية لكل منهما بما يليق بها ولا يُلبّس بين الوحي الإلهي المحفوظ والتدوين البشري النبيل.

الخطأ الشائع في الاتجاهين

ما يؤسف له أن النقاش حول الحديث يقع في الغالب في أحد طرفين خاطئين:

طرف التقديس المطلق: يُعامل فيه كل ما في البخاري كأنه قرآن آخر، لا يُسأل عنه ولا يُناقش. وأي تشكيك في حديث يُقابَل بالإدانة الفورية. وهذا الموقف لا ينسجم مع منهج المحدثين الكبار أنفسهم، ولا مع حقيقة أن في الصحيحين روايات أثارت تساؤلات فقهية وعقدية جادة عبر التاريخ.

طرف الرفض الكلي: يُسقط كل كتب الحديث جملةً وتفصيلا، ويكتفي بالقرآن. وهذا يُفضي في الواقع إلى انهيار الجزء الأكبر من الفقه التفصيلي، لأن كثيرا من الأحكام العملية لا تُعقل إلا من خلال البيان النبوي. فضلا عن أنه يتجاهل قرونا من الجهد العلمي الاستثنائي في خدمة السنة.

الطريق الثالث: هو الأسلم والأكثر أمانة للحقيقة. يُقرّ بالقيمة الكبيرة لكتب الحديث بوصفها مصدرا تاريخيا وعلميا ودينيا في آن معا، دون أن يُسوّي بينها وبين القرآن في القطعية والحجية. ويطبّق عليها أدوات النقد المنهجي التي ابتكرها المسلمون أنفسهم، دون رهبة ولا استهتار.

مقترحان للبحث المعاصر

ثمة جهدان يستحقان الاستثمار من الباحثين المعاصرين:

أولا: تطوير منهجية التصحيح.** التصنيف الكلاسيكي (صحيح/حسن/ضعيف) ذو قيمة كبيرة لكنه يفتقر إلى الدقة الاحتمالية. الأحاديث الصحيحة ليست كلها في درجة واحدة من القطعية، وكذلك الضعيفة ليست كلها في درجة واحدة من الوهن. المنهجية التي تُرتّب الأحاديث ضمن درجات احتمالية موزونة أكثر دقة وأكثر خدمة للفقه من ثنائية صحيح/غير صحيح الجامدة.

ثانيا: التمييز بين أنواع الحديث من حيث الوظيفة.** الحديث الديني التشريعي الذي يُلزِم ليس من نفس طبيعة الحديث التاريخي الذي يُحكي، ولا من طبيعة الحديث الوجداني الذي يُعبّر عن حب الصحابة للنبي وحرصهم على حفظ كل تفصيل عنه. هذا التصنيف الوظيفي يُريح كثيرا من الإشكاليات ويُتيح للفقيه والمؤرخ وعالم النفس الديني كلا منهم أن يتعامل مع مادته بأدواتها المناسبة.

الحب كدافع للحفظ

ثمة بُعد يُغفله كثيرون حين يتحدثون عن كتب الحديث وكأنها مجرد أرشيف قانوني. الصحابة والتابعون الذين حرصوا على حفظ كل قول للنبي وكل إيماءة وكل تفصيل في حياته، لم يكونوا يفعلون ذلك فقط أداءً لواجب ديني. كانوا يفعلون ذلك حبا. حبا عميقا لشخص غيّر حياتهم وصنع معناها. ولهذا يجد القارئ المتأمل في كتب الحديث شيئا يتجاوز الإلزام الفقهي: يجد شغفا إنسانيا بحفظ ذاكرة من أحبوه.

فهم هذا البعد الوجداني في علم الحديث لا يُناقض المنهج النقدي، بل يُضيف إليه عمقا إنسانيا يجعل التعامل مع هذا الموروث أكثر نضجا وأقل برودة.

خاتمة

صحيح البخاري — وكتب الحديث عموما — هي الثلاثة معا: تاريخ ودين وعلم. وخطؤنا في حقها لا يأتي من اختيار واحد من هذه الأوجه بل من اختزالها في واحد والتنكر للآخرَين. القراءة الناضجة هي التي تُمسك بالثلاثة في آن واحد، وتُحسن التنقل بينها حسب طبيعة المسألة وطبيعة الحديث المدروس. وهذا ليس تلاعبا بالمصطلحات بل أمانة منهجية نحتاجها في كل عصر.