في سنة 2018، قرّرت أن أُقدّم خبرتي المؤسسية في خدمة مركز إسلامي كنت أرتاده في منطقتي بكندا. لم يكن لديّ رواتب أطلبها ولا مناصب أريدها. كان عندي وقت ومعرفة وقناعة بأن هذا المركز يستحق أن يعمل بطريقة أفضل. فعرضت على مجلس الإدارة أن أضع لهم منظومة كاملة من وثائق الحوكمة: السياسات المؤسسية، وإجراءات اتخاذ القرار، وآليات المساءلة، وخطة استراتيجية. وقبلوا.
ستة أشهر، بمعدل أربع ساعات يوميا في المتوسط. وثائق مترابطة، واضحة، مبنية على معايير مؤسسية متعارف عليها. حين انتهيت، طلبت رأيا مستقلا من متخصص كندي غير مسلم يعمل في مجال الحوكمة المؤسسية. قرأ المنظومة كاملة ثم قال: “نادرا ما أرى وثيقة كاملة ومتقنة تماما مثل هذه.”
ثم بدأ الصمت.
الصمت كموقف
الصمت في العمل المؤسسي ليس غيابا. هو حضور سلبي واعٍ. حين يتلقى مجلس إدارة عملا بهذا الحجم ويردّ بالصمت، هو لا يقول “لم نقرأه”. هو يقول شيئا أدقّ: “قرأناه ولا نريد أن نتعامل معه.”
انتظرت. مرّ أسبوع، ثم أسابيع. أرسلت رسالة أستفسر عن ما الذي جرى مع الوثائق. جاء ردّ مقتضب: “سنناقشها في الاجتماع القادم.” الاجتماع القادم مرّ ولم يُناقَش شيء. ثم بدأت تصلني إشارات غير مباشرة: تعليقات عابرة تتحدث عن “أشخاص يريدون فرض أفكارهم”، وهمسات عن “غرور” و”تعالٍ”، وتساؤلات حول “الأهداف الحقيقية” لمن قدّم هذا العمل.
في مدة قصيرة، لم يعد العمل يُستقبل بوصفه مساهمة تقنية فقط، بل صار يُقرأ أيضا من خلال حساسيات شخصية وتنظيمية لم أكن قد قدّرتها بما يكفي.
تشريح المقاومة
لفهم ما جرى، لا بد من الوقوف عند أنواع المقاومة التي تواجه كل إصلاح مؤسسي، حتى حين يكون التطوع خالصا والنية سليمة.
مقاومة السلطة: الوثائق الجيدة تُقيّد السلطة التقديرية. حين توجد سياسات واضحة لاتخاذ القرار، لا يستطيع أحد أن يتصرف من دون إطار. ومن تعوّد على العمل بلا إطار — يختار من يريد، يُقرر ما يريد، يُكافئ من يريد — يرى في وثيقة الحوكمة قيدا على صلاحياته لا حماية لها.
مقاومة الكفاءة: في بعض البيئات التنظيمية، المعيار الواضح قد يُستقبل بوصفه مساعدة عند البعض، وبوصفه كشفا مزعجا للفجوات عند البعض الآخر. لذلك لا تُرفض المعايير دائما لأنها خاطئة، بل أحيانا لأنها تُجبر المؤسسة على رؤية ما تعوّدت تجاهله.
مقاومة الخارج: أي شخص يأتي بأفكار من خارج الدائرة المألوفة يُعرّض نفسه بسهولة لتصنيف “الغريب”. وهذا ينطبق بشكل خاص في المؤسسات ذات الطابع الجماعي والهوياتي، حيث تختلط أحيانا الحساسيات الشخصية بالتحفظ على التغيير نفسه.
الإمام وحدود السلطة الدينية
لكن ثمة عامل آخر لم أكن أتوقعه بهذا الوضوح: الإمام. فحين وصلت الوثائق إليه، كانت ردة فعله مختلفة عن مجلس الإدارة. لم يصمت، بل عارض. ليس لأن الوثائق كانت خاطئة، بل لأنها حدّدت صلاحياته وفصلت بين الدور الديني — التوجيه الروحي والتعليمي — والدور الإداري — الذي يجب أن يكون من اختصاص مجلس منتخب.
في كثير من مراكز الجاليات المسلمة في الغرب، تتداخل هذه الصلاحيات بطريقة لا تعمل لصالح المركز ولا لصالح الإمام نفسه. الإمام الذي يُدير الشؤون المالية والإدارية والروحية والتعليمية في آن واحد يحمل أعباء لا ينبغي أن يحملها، ويُعرّض نفسه لمساءلة في ميادين تخرج عن تخصصه الحقيقي. لكن هذا التداخل ينتج أيضا سلطة غير رسمية واسعة تصعب مشاركتها.
حين اقترحت الوثائق فصل الأدوار — وهو مبدأ حوكمة أساسي لا علاقة له بالتقليل من شأن الإمام — قُرئ الأمر كمحاولة لتقليص نفوذه. وبدا أن ذلك أخطر على المركز من أي إشكال إداري آخر.
الرسالة وما بعدها
بعد أربعة أشهر من الانتظار الصامت، أرسلت رسالة استقالة من دوري التطوعي. كتبتها بعشر صفحات، وثّقت فيها ما جرى بدقة ودون تجريح شخصي. أرسلتها إلى أعضاء مجلس الإدارة. انتظرت أسبوعا. ثم رسلتها علنا. لم أكن أريد الفضيحة. كنت أريد الوضوح: إذا لم يكن ثمة جواب على السؤال، فليكن على الأقل توثيق للسؤال.
قطعت كل صلة بالمركز بعدها. ليس غضبا، بل لأن الاستمرار في محيط يتعامل مع الكفاءة بالريبة ومع الشفافية بالقلق هو استنزاف لا معنى له.
الدرس الأعمق: التمييز بين “إسلامي” و”غير رسمي”
ما أراه في كثير من مراكز الجاليات الإسلامية في الغرب هو خلط غير مقصود لكنه ضار: الخلط بين “إسلامي” و”غير رسمي”. كأن المركز الذي يعمل بلا سياسات واضحة ولا فصل للصلاحيات ولا آليات للمساءلة هو أكثر “إسلامية” من غيره، لأن الإسلام قائم على الثقة والأخوة لا على الأوراق والإجراءات.
هذا الفهم ليس خاطئا في جوهره — الثقة والأخوة قيمتان حقيقيتان — لكنه خاطئ في استنتاجه. الأخوة الحقيقية تُبنى على الشفافية لا على الغموض، وعلى المساءلة لا على الإعفاء منها. والمؤسسة التي تُسيء المال العام — وهو ما يحدث حين تغيب الرقابة — لا تخون قيمة إدارية فقط بل تخون قيمة دينية. لأن الأمانة مفهوم إسلامي أصيل يشمل المال والسلطة والمسؤولية المؤسسية.
وأزيد: المركز الإسلامي الذي يعمل بحوكمة جيدة هو مثال أفضل على القيم الإسلامية من المركز الذي يُبرّر الفوضى الإدارية بمفهوم “الأخوة”. لأن الإتقان فريضة، والأمانة في إدارة أموال الناس ومسؤولياتهم أمانة حقيقية لا مجاز.
خاتمة
لا أروي هذه القصة لتجريح أحد. الأشخاص المعنيون كانوا، في الغالب، ذوي نيات حسنة. لكن النيات الحسنة لا تبني مؤسسات جيدة وحدها. تحتاج إلى أنظمة وإجراءات وثقافة مؤسسية تُمكّن من تجسيد هذه النيات بشكل منتج ومستدام.
وما تعلّمته من هذه التجربة يتخطى مركزا بعينه: الإصلاح من الداخل يحتاج إلى أكثر من وثائق جيدة. يحتاج إلى إرادة سياسية داخلية تُريد فعلا التغيير لا مجرد الحديث عنه. ومن دون هذه الإرادة، يبقى أجود العمل التطوعي حبيس الأدراج، ويُتقن صاحبه فن الصمت المدوّي.