في يناير 2015، حين كان الحبيب الصيد يُشكّل حكومته وسط حديث متجدد عن “حكومة الكفاءات”، تذكّرت اقتراحا قدّمته منذ السنة الأولى للثورة ولم يجد أذنا صاغية. كنت قد عرضته على أربعة مسؤولين في أربع مناسبات مختلفة — وزير، ومدير ديوان، وإطار حزبي، ومسؤول مركز تكوين كوادر. وفي كل مرة كان الجواب إما التجاهل، وإما الابتسامة المهذبة التي تعني الرفض، وإما الشكوى من “قلة الوقت”.

الاقتراح كان بسيطا في جوهره: قاعدة بيانات وطنية للكفاءات التونسية تُمكّن من البحث العميق والموضوعي عن الشخص المناسب للمهمة المناسبة. لا صداقات ولا محسوبية ولا “نعرف بعضنا من الحزب”. بيانات، ومعايير، وخوارزمية بحث.

أصل الفكرة: تجربة كندية

لم تأت هذه الفكرة من الفراغ. جاءت من خبرة مباشرة امتدت من عام 2003 في جامعة أوتاوا، حيث اشتغلت على تطوير نظام قياس أداء مؤسسي شامل ضمن ما كان يُعرف بـ”Balanced Scorecard” أو بطاقة الأداء المتوازن.

في هذا النظام، لكل موظف ملف رقمي يُوثّق: تخصصاته ومجالات خبرته، وإنجازاته الموثّقة، ومشاركاته في المشاريع، وتقييماته الدورية، ومهاراته التقنية والإدارية، وتجاربه الدولية، وإسهاماته في البحث والنشر. وحين تحتاج الجامعة إلى شخص لمهمة محددة — لجنة متخصصة، مشروع بين أقسام، خبارة في موضوع بعينه — تبحث في هذا النظام بمعايير دقيقة وتخرج بقائمة مرتّبة بحسب الملاءمة.

هذا ليس علما خياليا. هو أداة موجودة ومعمول بها في مئات المؤسسات في كندا والولايات المتحدة وأوروبا. وتطبيقه على المستوى الوطني مسألة إرادة سياسية وتنظيم مؤسسي، لا مسألة تقنية معقدة.

الاقتراح التونسي: ما الذي طرحته؟

الفكرة التي قدّمتها كانت إنشاء قاعدة بيانات وطنية تشمل:

أولا: الكفاءات التونسية في الداخل.** كل إطار متخصص في القطاع العام والخاص والأكاديمي والمهني، مع ملف يُوثّق خبرته بطريقة موحّدة وقابلة للمقارنة.

ثانيا: الكفاءات التونسية في الخارج.** وهذه ذخيرة هائلة تكاد تكون مجهولة رسميا. في كندا وحدها عشرات الآلاف من التونسيين المهنيين في قطاعات الهندسة والطب والتقنية والأعمال والأبحاث. وفي فرنسا وألمانيا والخليج أضعافهم. وحين تحتاج الحكومة التونسية إلى خبير في مجال تخصصي دقيق — حوكمة الأنظمة الصحية، أو تصميم شبكات النقل، أو تقييم مشاريع الطاقة — تبحث في دفاترها الداخلية وتجد الفراغ، بينما التخصص موجود في ابن صفاقس المقيم في مونتريال أو بنت قفصة المقيمة في لندن.

ثالثا: معايير البحث الموضوعي.** الهدف ليس مجرد قاعدة بيانات ضخمة، بل نظام بحث يُمكّن من تصفية النتائج بمعايير متعددة: التخصص الدقيق، وسنوات الخبرة، والقطاع، واللغات، والتجارب الدولية، والتوفر. وهذا يُحوّل الاختيار من عملية تقديرية شخصية إلى عملية موضوعية قابلة للمساءلة.rnrnرابعا: الحوكمة وحماية المعطيات. أي مشروع من هذا النوع لا ينجح إذا تحول إلى أرشيف فضفاض أو أداة مراقبة سياسية. لذلك يحتاج منذ البداية إلى قواعد واضحة للنفاذ، وتحيين المعطيات، وحماية الخصوصية، وإمكانية التثبت من صحة الملفات، حتى لا تتحول الأداة نفسها إلى مصدر جديد للظلم أو العبث.

المشهد المخزي: صناديق بطاقات العمل

في يناير 2015، حين كنت أتابع تشكيل الحكومة، التقيت بشخص مطلع كان يعمل قريبا من الدوائر السياسية. فوصف لي بعض ما يجري في الكواليس. المستشارون يجلسون حول طاولة. أمامهم صناديق فيها بطاقات أعمال وأوراق وملفات مطبوعة. يُقلّبون هذه الأوراق ويقترح كل واحد اسما. “هذا كنت معه في الحزب”، “هذه أستاذة جامعية عارفها”، “هذا عمل في منظمة دولية”، “هذا صديق فلان”.

هذا لا يختلف جوهريا عمّا كان يجري قبل الثورة. نعم، الوجوه تغيّرت وبعض المعايير تبدّلت. لكن الآلية نفسها بقيت: الشبكة الشخصية، لا النظام الموضوعي. وحين يُبنى الاختيار على الشبكة الشخصية، تدفع البلد ثمنا مزدوجا: أولا كفاءات متاحة لا تُوظَّف لأنها خارج الشبكة، وثانيا أشخاص يُوضَعون في مواقع لا تناسب قدراتهم الحقيقية.

لماذا رُفض الاقتراح؟

في كل مرة قدّمت فيها الفكرة، تعاملت معها ردود فعل متشابهة في عمقها وإن اختلفت في شكلها:

أولا: “ليس الوقت المناسب” — وهذه حجة دائمة الاستعداد. لا يوجد في السياسة التونسية وقت مناسب لبناء أنظمة، فهناك دائما أزمة أو انتخابات أو تحالف ينهار.

ثانيا: “هذا سيستغرق وقتا طويلا” — وهو صحيح، لكنه لا يعني عدم البدء. كندا لم تبنِ نظامها المؤسسي في يوم. بدأت وأكملت. تونس بدأت الثورة سنة 2011 وما زال النقاش في مربع “من نُعيّن وزيرا؟” دون تغيير الآليات.

ثالثا: الصمت ذو المعنى — وهذا أوضح الردود وأصدقها. حين يُريد مسؤول أن يقول “لا يهمني هذا” دون أن يقولها، يستعمل الصمت. وتعلّمت أن الصمت في الوسط السياسي التونسي أحيانا أبلغ من أي كلام.

السبب الحقيقي وراء هذه الردود، في تقديري، ليس قصور الفهم التقني بل قصور في الإرادة السياسية. قاعدة بيانات موضوعية للكفاءات تعني تقليص سلطة الشبكات الشخصية. ومن يملك هذه الشبكات لا يرغب في أداة تُنافسها أو تُشكّك في خياراته.

ما الذي يكلّفه غياب هذا النظام؟

التكلفة ليست مجردة. هي وظائف لم يُعيَّن فيها الأنسب، ومشاريع قادها من لا يملك الكفاءة الكافية، وفرص تعاون مع الكفاءات التونسية في الخارج ضاعت لأن البلد لا يعرف حتى أنها موجودة، وإحباط تراكمي لدى أشخاص مؤهلين رأوا باستمرار أن الكفاءة لا تُجدي في مواجهة العلاقات.

وعلى المدى البعيد، يُرسّخ هذا الغياب معادلة سامة: الكفاءة الحقيقية تهاجر أو تعمل في القطاع الخاص، وتبقى في المناصب الحساسة الشبكات لا المهارات. وهذه المعادلة تُفسّر جزءا كبيرا من ضعف الأداء المؤسسي التونسي طوال سنوات ما بعد الثورة.

خاتمة

الاقتراح لا يزال قائما. بعشر سنوات من تجارب متعددة في تشكيل الحكومات، يبدو أن الدرس الأساسي لم يُستوعب بعد: الحكومة الجيدة لا تُبنى بنوايا حسنة فقط، بل بأنظمة موضوعية تُمكّن من اختيار الأنسب بدل الأقرب. ومن يريد فعلا “حكومة كفاءات” عليه أن يبدأ ببناء أداة تعرف من هم هذه الكفاءات.

تونس تملك عقولا استثنائية في الداخل وفي الخارج. المشكلة ليست في وجود الكفاءة بل في غياب الآلية التي تُعرّفها وتُوصلها إلى المكان المناسب. وبناء هذه الآلية ليس مشروعا خياليا، بل استثمار مؤسسي متاح لمن يريده.