هنالك ناسٌ قلوبُهم شِتاءٌ والعالَمُ من حولهم ربيع، وصقيعٌ والعالمُ من حولهم دِفْء، وظلامٌ والعالم من حولهم نور، ويأسٌ والعالم من حولهم أمل.
وهنالك ناسٌ قلوبُهم ربيعٌ والعالم من حولهم شتاء، ودفءٌ والعالم من حولهم صقيع، ونورٌ والعالم من حولهم ظلام، وأملٌ والعالم من حولهم يأس.
أولئك هم ليلُ البشريّة وهلاكُها، وهؤلاء هم فجرُها وحياتُها ورجاؤها وأداتها لحاضرٍ أرجى، وغدٍ أفضل.
ما وراء الصنفين
هذا التقسيم ليس مجرد تمرين أدبي، بل هو سؤال وجودي يواجه كل إنسان في لحظات الحقيقة. فالعالم لا يخلو أبدا من أسباب اليأس: ظلم يتكرر، وعدالة تتأخر، وأحلام تُكسَر. لكن السؤال الحقيقي ليس عما يحدث حولنا، بل عما يحدث داخلنا حين يحدث ذلك كله.
الصنف الأول من الناس يستقبل الخير فلا يراه، ويعيش في وسط النعمة فلا يشعر بها. ليس لأن عينيه لا تبصران، بل لأن قلبه قد أُغلق على برودة اختارها أو استسلم لها. وهذا الانغلاق القلبي لا يؤذي صاحبه وحده، بل يسري أثره في من حوله كالصقيع الذي يقتل البذور قبل أن تنبت. فاليائس لا يكتفي بيأسه، بل كثيرا ما يسعى — من حيث يشعر أو لا يشعر — إلى تعميم يأسه على الآخرين.
أما الصنف الثاني فهو ذاك الإنسان الذي لا ينكر وجود الشتاء ولا يتجاهل الظلام، لكنه يحمل في داخله نورا لا تطفئه الرياح. وهذا النور ليس سذاجة ولا غفلة عن الواقع، بل هو وعي عميق بأن الإنسان لم يُخلق ليكون مجرد مرآة تعكس ما حولها، بل ليكون مصدر إضاءة يُحوّل ما حوله.
الاختيار الذي يحدد المسار
والفارق بين الصنفين لا يُحسم بالظروف الخارجية، وإنما يُحسم بالموقف الداخلي. فكم من إنسان عاش في أصعب الظروف وكان مشعلَ أمل لمن حوله، وكم من آخر أحاطت به النعم من كل جانب فلم يكن إلا مصدر شكوى وتثبيط.
إن اختيار أن تكون من أهل الربيع الداخلي هو اختيار يومي متجدد، لا يحتاج إلى ظروف مثالية بقدر ما يحتاج إلى إرادة واعية وروح لا تستسلم. وهو اختيار لا ينفصل عن الإيمان بأن للوجود معنى، وأن للإنسان دورا، وأن الغد ليس مجرد تكرار للأمس.
فأيّ الصنفين من البشر أنت؟