بعض الردود التي قرأتها متأخرا في بعض الصفحات، لا تنقض المقال، بل تؤكّد ضرورته.
حين يصفك أحدهم – بلهجة ساخرة – بـ”أستاذ الفستق”، أو يلمّح بأنك “تظننا مغفّلين”، فقط لأنك شاركت تجربة روحية بسيطة وهادئة، فهذا لا يُسقط من قيمة التجربة، بل يكشف حجم الهشاشة عند من لم يعد يحتمل أن يرى الآخرين ينظرون من زاوية مختلفة.
المشكلة ليست في التشيّع، ولا في العزاء، ولا في القرآن، ولا حتى في المحاضرة.. المشكلة في عقلية لا ترى الناس كما هم، بل كما تريدهم أن يكونوا: إما نسخة من انفعالاتها ومقولاتها، أو متّهمين بالخفة والجهل والسذاجة.
وما يثير الاستغراب أكثر هو أن بعض من يكتب هذا النوع من التعليقات، يختبئ خلف بروفايلات مستعارة أو رمادية، بلا اسم حقيقي، ولا وجه معروف، ولا أثر اجتماعي يُذكر.
لا يعرفه أحد في الواقع، لا يشارك شيئًا عن حياته أو أسرته أو مواقفه الجادة،
ومع ذلك يتجرّأ على تقييم الآخرين بلغة احتقار وكأنّه “مرجعية يقينية” في الفهم والعقيدة!
والأعجب أن هذه الحسابات تطلب صداقتك، وتضع الإعجابات المتكررة على منشوراتك، ثم تتصيّد اللحظة لتخرج هذا الكمّ المختنق من التهكّم الرخيص على صفحات آخرين، في مشهد لا يعبّر عن موقف فكري، بل عن نفسية متناقضة، ممزقة بين الإعجاب والغيرة، بين الحاجة للتقرب والرغبة في التشويه.
هذا الخطاب (أو الهذيان) – رغم ضجيجه – يفضح نفسه بنفسه.
فهو يخلط بين التجربة الشخصية وبين “الخطر الشيعي”، يستسهل اختزال الناس في نوايا خبيثة مفترضة، ويرى في كل رأي مخالف مؤامرة أو تواطؤًا، ويعتقد أن “الفهم الصحيح” حكر على معسكره الفكري، وأن كل من خرج عن خطّه يجب أن يُتهم بالتواطؤ أو الاستغفال.
من لا يستطيع قراءة تجربة بسيطة دون استدعاء قاموس “الخونة والجهلة والمغفلين”، فربما المشكلة ليست في المقال، بل في من لم يعد يحتمل أن يرى وجهًا آخر للحقيقة..
وبالمناسبة: أحب الفستق، وخصوصا الإيراني.. مفيد للصحة ، وجالب للذة والمتعة..
وطبعا: حذفت المعنية بالأمر من قائمة الأصدقاء..
عن الرد بالسخرية
الاستجابة بالسخرية لتجربة روحية هادئة تقول أكثر عن صاحبها من المستهدَف. من لا يجد أدوات للتعامل مع تجربة دينية مختلفة يلجأ إلى الانتقاص — وهذا دفاع عن هشاشة داخلية.
الزيارة لمجلس عزاء عاشورائي كانت تجربة حضور وفهم، ليست استسلامًا ولا تأييدًا لكل ما يجري فيها. والفرق بين الحضور للفهم والمشاركة العقدية فرق لا يُدركه من يُصرّ على الثنائيات الجاهزة.
خاتمة
التجربة الروحية الهادئة لا تحتاج دفاعًا — تحتاج شاهدًا أمينًا. وقد كان هذا المقال ذلك الشاهد.
ما تعلّمه هذا الجدل
أن يُوصَف كاتب بـ”أستاذ الفستق” بسبب تجربة روحية هادئة يقول شيئًا عن صاحب الوصف أكثر مما يقوله عن المُوصوف.
الهشاشة الفكرية أو العقدية تُنتج هذا النوع من ردود الفعل — لأن من يشعر بأمان داخلي لا يحتاج السخرية لمواجهة ما يختلف مع قناعاته. يُعبّر عن اختلافه بالحجة أو يُعرض بأدب.