كنا أمام نخب وهمية (pseudo-élites)، بلا إعداد نظري أو تجربة سياسية متراكمة أو حتى أخلاقيات قيادة.

المشهد التونسي لم يُفرز أحزاباً، بل تجمعات انتخابية. والبرلمان لم يُنتج نواباً، بل متحدثين في وسائل الإعلام. والحكومات لم تُبنَ على كفاءات، بل على توازنات وقتية.

فقال مخاطبي: أصل المشكلة هو تقسيم الشعب إلى نخبة وعامة.. من يدّعون أنهم نخبة من خوّل لهم أن يقدموا أنفسهم كنخبة؟ الشعب يحكم نفسه بنفسه..

وخاض طويلا مدافعا عن فكرته..

فقلت: هذا بالضبط جوهر التفكير الشعبوي.. وهو كلام يخلط بين “النخبة” و”الاحتكار السياسي”.. ما يُرفض هو “احتكار الحكم” باسم النخبة أو “الزعم بأن النخبة وحدها تفهم”.. أمّا وجود أشخاص أكثر تدريباً وخبرة في الحكم، فهذه ضرورة عملية، لا غطرسة فكرية.

والشعبوية، حين تقدّم مقولة “الشعب يحكم نفسه” وكأنّه إلغاء لدور الكفاءة والخبرة، لا تذيب الفوارق بين الناس، وإنما تخدع الجماهير، لأن هذا يعطي عملياً، فرصة للأكثر صخباً أو الأكثر قدرة على تعبئة العواطف، لا للأكثر كفاءة.

إلغاء مفهوم النخبة وتدمير الوسائط والهيئات السياسية هو أكبر خطر على الدول والشعوب..

في أي نظام ديمقراطي، المؤسسات الوسيطة (أحزاب، نقابات، خبراء…) تشكّل جسراً بين الشعب والدولة. وبدون هذه الوسائط، تقع الديمقراطية ضحية العاطفة اللحظية، وتنهار الثقة في أي مشروع طويل الأمد.

وأزمة النخبة في تونس، يجب الاعتراف بها، بدون أن يتحول هذا التوصيف إلى تبرير للشعبوية..

نعم، يمكن أن نعترف ب“موت النخبة” الحالية أو “عجزها”، ولكن لا يعني هذا أن نلغي فكرة النخبة نفسها، بل يجب التمسك بفكرة أن تونس تحتاج نخبة حقيقية جديدة: نخبة لديها مشروع، نخبة تحترم الرأي العام، ونخبة تملك أخلاقيات قيادة.

كما لا يمكن لمجتمع أن ينجح رياضياً بدون مدربين أكفاء، أو يبدع فنياً بدون نقاد ومخرجين، لا يمكن أن تنجح ديمقراطية بدون قادة يملكون الخبرة والفكر.

أزمة النخبة في تونس: وهم الكفاءة والحداثة

تونس ما بعد 2011 لم تُنتج نخبة جديدة بالمعنى الحقيقي. أعادت تدوير هوامش النظام القديم بوجوه جديدة. والنخبة الوهمية (pseudo-élite) التي وصفها هذا النص ظاهرة قابلة للتشخيص.

ما هي النخبة الوهمية؟

نخبة تملك الشهادات دون المشروع. تُقدّم الكفاءة التقنية كبديل عن الرؤية السياسية. تُدير الأزمات دون القدرة على التفاوض والتوافق اللازمَين للبناء المؤسسي.

الفارق الجوهري: إدارة الأزمة مهارة. القيادة نحو أفق مشروع أمر مختلف تمامًا.

لماذا لم تُنتج تونس نخبة جديدة؟

المسارات التي تُنتج النخب الحقيقية — الأحزاب السياسية الوظيفية، والحركات الاجتماعية، والمؤسسات المدنية الفاعلة — كانت ضعيفة أو مُعطَّلة.

ما أُنتج بدلًا: ناشطون رقميون أكثر منهم قادة ميدانيين، وتكنوقراط أكثر منهم سياسيين.

خاتمة

النخبة التي تُبني الدولة ليست من درس في الخارج أو تحدّث الفرنسية بطلاقة — هي من تملك مشروعًا وتستطيع قيادة ناس حقيقيين في ظروف صعبة.