من أكثر الأساليب شيوعًا في الجدل العقيم: استدعاء أقوال الطرف الآخر الأكثر غرابة، أو شذوذًا، أو تطرفًا، ثم البناء عليها وكأنها تمثل التيار كله، دون أدنى حسٍّ بالمسؤولية المعرفية أو الأخلاقية.

وليست الظاهرة ذات قيمة، لولا أنها الآن أصبحت منتشرة بشكل واسع لدى النخبة المثقفة والجامعية والإعلامية.. بينما الأصل أنهم يدركون منهجيا أن هذا النوع من الجدل لا يُنتج وعيًا، بل يُثير مشاعر القارئ، ويغذّي نفوره، ويُغلق عليه الباب أمام أي محاولة للفهم أو التفهّم. يعني: أنها تنتج حالة نفسية ولا فكرية.

مثلا

حين يصبح “ياسر الحبيب” ممثلًا للتشيّع

كلّما دار نقاش عن الشيعة، يستحضر البعض، تلقائيًا، خطبًا هستيرية لمعمّم هامشي اسمه ياسر الحبيب، رغم أنه مدانٌ علنًا من جلّ مراجع الشيعة الكبار الأحياء والأموات (كالسيستاني، وفضل الله، والخامنئي، بل وحتى من تلامذة الشيرازي نفسه).

لكن رغم كل هذا، يُستعمل خطابه لتشويه مذهب كامل، يضمّ عشرات المدارس الفقهية، وآلاف العلماء والمفكرين.

ولا بد أيضا من جرّ النقاش إلى مسألة “سبّ عائشة”، رغم أن غالبية مراجع الشيعة تحرّم المسَّ بشرفها وتعتبره مسًّا بشرف النبي (ص) نفسه.

بل إنني شخصيًا – كواحد ممن اطلعوا على كتب الفريقين – نشرت دراسة موثقة بعنوان:

“عائشة في كتب الشيعة: فقيهة ومحدثة”، تظهر فيها مكانتها العلمية الكبيرة في التراث الإمامي، وإن وقع نقد سياسي لدورها في معركة الجمل، فهو لا يرقى بأي حال إلى سبٍّ أو طعن في العرض.

نحن، المسلمين، في كندا نُعامَل بنفس الأسلوب

نعيش كمسلمين في الغرب حالة مشابهة من التشويه المنهجي.

فأيّ حديث عن حق المرأة في الحجاب، أو الرجل في أداء صلاته في مكان العمل، يُقابل مباشرة باستدعاء صور طالبان، أو ممارسات بائدة في مجتمعات قبلية أو قروية أو بدوية فقيرة: البرقع الإجباري، وضرب الزوجة، والزواج القسري، والعنف باسم “الشرف”.. ثم يُقال للرأي العام من باب استفزازه وتحريضه: “هل هذا ما تريد إدخاله إلى مجتمعنا؟”.

وتُقدَّم هذه الشذوذات باعتبارها جوهر الإسلام، رغم أن المسلمين في كندا، في غالبيتهم، أكثر التزامًا بالدستور والحقوق، وأرقى تمثيلًا للإسلام المعتدل المتحضر.

والمفارقة أن هذه التقنية في التشويه، لا يمارسها فقط اليمين العنصري، بل اليسار الفرانكوفوني المتطرف أيضًا، والذي ورث عن فرنسا إرثها الاستعماري الثقافي في مقاومة أي حضور رمزي للدين في الفضاء العام.

مثلا، لدينا نموذج: جميلة بنحبيب – جزائرية الأصل – تُستدعى إلى المنصات الإعلامية كي تحذّر من “المد الإسلامي” عبر الحجاب والصلاة، كأننا مقدمون على فتح كيبك بالسجادات، في حين أن غالبية جاليتنا تعيش على هامش الفعل والتأثير الحقيقي، وليسوا فاعلين وإنما مفعول بهم!

استدعاء أقوال الغُلاة… تقنية قديمة

هذا الأسلوب، بالمناسبة، ليس جديدًا. فالمستشرقون الأوروبيون، حين أرادوا تشويه الإسلام، لم ينقلوا فكر الغزالي أو الجنيد أو مالك بن نبي، بل استحضروا: فتاوى ابن تيمية حين تتشدد، دون سياقها التاريخي. وأحاديث موضوعة حول الغزوات، وأخبارًا مشكوكًا فيها حول الجواري، أو حدّ الردة، أو الرق، أو… ثم بنوا خطابهم على هذه “القصاصات”، ليرسموا صورة وحشية عن الإسلام، تُخيف القارئ الأوروبي.

ما البديل؟

إذا أردنا أن نكون منصفين مع خصومنا قبل أن نطلب الإنصاف لأنفسنا، فالمطلوب هو:

  • البحث عن التيار السائد لا الحافة: لا تحاكم الصوفي بشطحات ابن عربي، ولا تحاكم الشيعي بياسر الحبيب، ولا السلفي بأقوال داعش، ولا العلماني بصفحات الإلحاد الطفولي.

  • التفريق بين الفكرة والشخص: يمكن نقد فكرة أو ممارسة دون شيطنة كل من ينتمي إليها.

  • الوعي بالمصادر والتمثيل: من يمثّل من؟ من المرجع المعتمد؟ ومن الصوت الهامشي؟ ومن المتحدث باسمه لا باسم غيره؟

  • التحصين ضد الانفعال: أي خطاب يثيرك قبل أن يقنعك، يجب أن تُعيد فحصه.

فزّاعة الخصم: تشريح أسلوب جدلي شائع

الفزّاعة (Straw Man) من أقدم المغالطات المنطقية وأكثرها انتشارًا. وهي تعمل بخطوات ثلاث: استدعاء أضعف أو أغرب الآراء عند الطرف الآخر، بناء الحجة على هذا الرأي الهامشي، ثم تقديم الانتصار عليه كانتصار على التيار كله.

لماذا تنتشر هذه المغالطة؟

أولًا: هي أسهل بكثير من محاورة الحجج الجيدة عند الخصم. الحجة الجيدة تستلزم جهدًا لفهمها ثم جهدًا أكبر للرد عليها. الفزّاعة أسرع وأقل تكلفة.

ثانيًا: هي فعّالة جماهيريًا. الجمهور يرى الانتصار ولا يُدرك أن المنتصر ضرب هدفًا زائفًا.

كيف تُكشف الفزّاعة؟

السؤال البسيط: هل يُمثّل الرأي المهاجَم تيار الخصم الحقيقي أم هامشه؟ وهل سيُقرّ الخصم نفسه بأن هذا يُمثّله؟

الجدال الجاد يُلزم المتجادل بأن يُمثّل الخصم بأحسن حججه لا بأضعفها — ما يُسمّيه الفلاسفة “مبدأ الخيرية” (principle of charity).

خاتمة

من يُريد الفهم الحقيقي يبحث عن أقوى حجج الطرف الآخر. ومن يُريد الانتصار يبحث عن أضعفها. والفرق بين الاثنين يُحدد ما إذا كان ما يجري حوارًا أم عرضًا مسرحيًا.