الأمازيغ والهوية والأصول: كيف نقرأ هذا الجدل بلا عصبية؟
كلما طُرحت مسألة الأمازيغ والأصول واللغة في الفضاء العام المغاربي والتونسي والجزائري، انقلب النقاش عند كثيرين بسرعة لافتة إلى معركة هوية صفرية: إما عرب أو أمازيغ، إما أصالة أو خيانة، إما استعادة الحق التاريخي المنهوب أو إنكاره. وكأن الأمر لا يحتمل وسطا ولا تعقيدا ولا طبقات. والمشكلة في هذا النوع من السجالات الصفرية أنها تنقلنا بسرعة من البحث التاريخي الهادئ إلى العصبية الهوياتية، ومن قراءة الماضي إلى التعبئة النفسية في الحاضر. لذلك فإن أول ما نحتاجه في هذا الملف هو تهدئة المنهج قبل الاستعجال بحسم النتيجة.
وهذا لا يعني أن الموضوع غير مهم أو أن الأسئلة التاريخية لا تستحق البحث. بالعكس. لكنه يعني أن المسافة بين السؤال العلمي الجاد وبين توظيفه أداةً سياسية أو هوياتية قد تكون أقصر مما يظن أصحابها، وأن الانتباه إلى هذه المسافة ضرورة منهجية قبل الخوض في التفاصيل.
الواقع التاريخي: تداخل لا نقاء
شمال أفريقيا منطقة جغرافية عرفت على امتداد ثلاثة آلاف سنة موجات متعاقبة من الهجرات والتداخلات والامتزاجات. السكان الأصليون المعروفون بالأمازيغ أو البربر قبل الإسلام لم يكونوا هم أنفسهم كتلة متجانسة ثابتة، بل اختلطوا قبل الإسلام مع الفينيقيين الذين أسسوا قرطاج، ومع الرومان الذين حكموا المنطقة قرونا، ومع الوندال والبيزنطيين، ومع قبائل صحراوية متنوعة. ثم جاء الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي بموجة عربية وإسلامية صبغت المنطقة دينيا ولغويا تدريجيا.
هذا التداخل التاريخي الطويل ينتج في الواقع هوية مركبة لا هوية نقية. والسكان الذين يعيشون في المغرب وتونس والجزائر اليوم هم في معظم الحالات نتاج هذا المزج التاريخي الطويل، لا ينتمون بصورة نقية إلى فئة واحدة منه. وهذا ليس مجرد قول سياسي دفاعي، بل توصيف تدعمه، في الجملة، معطيات أنثروبولوجية وجينية وتاريخية حديثة، مع بقاء مجال واسع للنقاش في التفاصيل والتأويلات.
لذلك فإن أي خطاب يعد الناس بجواب نقي ونهائي — “أنتم أمازيغ أصلاء” أو “أنتم عرب أصلاء” — غالبا ما يعدهم بوهم تاريخي مريح لا بحقيقة علمية.
بين التاريخ والهوية السياسية
البحث في الأصول الإثنية والثقافية والأثرية قد يكون مشروعا علميا ذا قيمة كبيرة. فهم أصول اللغة الأمازيغية وتطورها وتوزعها الجغرافي، وفهم السياق الذي جرى فيه انتشار اللغة العربية في شمال أفريقيا، وفهم التحولات الدينية والاجتماعية التي أحدثها الفتح الإسلامي — هذه كلها أسئلة علمية مشروعة تستحق البحث الجاد والموضوعي.
لكن هذا البحث يتحول بسهولة إلى أداة صراع سياسي حين يُحمَّل أكثر مما يحتمل. حين يُقال مثلا إن استعادة الهوية الأمازيغية تعني ضرورة رفض الهوية الإسلامية العربية أو التشكيك فيها أو اعتبارها اغترابا مفروضا يجب التحرر منه. أو حين يُقال عكسيا إن الحديث عن الهوية الأمازيغية هو مؤامرة على الوحدة الإسلامية العربية أو ضرب للهوية الوطنية.
في كلتا الحالتين نكون قد غادرنا حقل البحث ودخلنا حقل السياسة الهوياتية. والمشكلة ليست في السياسة بوصفها مجالا مشروعا، بل في تلبيس السياسة ثوب الحقيقة التاريخية وادعاء أن موقفا سياسيا محددا هو ما يقوله التاريخ حتما.
خطر تحويل الأصل إلى سلاح
حين تتحول مسألة الأصل إلى أداة للمفاضلة الأخلاقية أو الوطنية — هذا أصيل وذاك دخيل، هذا ابن البلد وذاك غريب — نكون قد غادرنا البحث ودخلنا في صناعة المظلومية والتفوق. وهذا بالضبط أخطر ما في الملف لأن المظلومية التاريخية حقيقية في بعض أوجهها ومشروع توظيفها السياسي في سياقات معينة، لكنها تصبح مدمرة حين تتحول إلى هوية ثابتة تُبنى عليها علاقة الإقصاء مع الآخر.
اللغة الأمازيغية تعرضت، ولا تزال في بعض السياقات، للتهميش في عدد من الدول المغاربية، وهذا وضع غير عادل يستحق المعالجة السياسية والقانونية الجادة. والاعتراف بهذا الظلم لا يستلزم بناء هوية قائمة على نفي ما أضافته القرون الإسلامية للمنطقة من حضارة وفكر ودين. الأمران ليسا متعارضين إلا في الخطاب الصفري المتطرف.
وما يجعل الأمر أشد خطورة أن توظيف الأصل التاريخي سلاحا هوياتيا لا يصيب فقط الطرف الذي يُنفى ويُقصى، بل يصيب أيضا أصحاب الخطاب أنفسهم. لأنهم يبنون هويتهم على الاحتجاج الدائم والشعور بالانتزاع، لا على إنجاز حي وحاضر. وهذا سجن هوياتي من نوع آخر.
الحاجة إلى قراءة هادئة بأدوات متعددة
الموقف الذي أدافع عنه هو أن هذه القضايا يجب أن تُقرأ بهدوء وبأدوات متعددة ومتكاملة. التاريخ يُعطينا سياق التحولات الكبرى. واللسانيات تُعطينا فهم العلاقة بين اللغات وانتشارها وتراجعها. والأنثروبولوجيا تُعطينا أدوات فهم بنية المجتمعات وتحولات هوياتها. وعلم الجينات الحديث يُعطينا معلومات دقيقة عن الامتزاج البيولوجي التاريخي.
حين نجمع هذه الأدوات تبرز صورة مركبة وثرية بدل الصورة الثنائية المختزلة. ومن أهم ما تكشفه هذه الأدوات مجتمعة أن الهوية المغاربية الحية اليوم لا تُختزل في أصل واحد، ولا تُلغي جذورها الأمازيغية، ولا تُلغي ما صنعه الإسلام والعربية فيها عبر القرون، بل هي نتاج تاريخ طويل من التلاقح والتأثير المتبادل. وهذا التاريخ ليس إذلالا يجب التحرر منه ولا بطولة يجب الافتخار بها وحسب، بل هو ما يجعل هذه المجتمعات ما هي عليه.
ولا ينبغي في كل الأحوال أن يكون الأصل المفترض — أيا كان — مبررا لاحتقار لغة حية يتحدثها الناس اليوم، أو انتماء ثقافي يعيشونه، أو هوية دينية يؤمنون بها.
خاتمة
الجدل حول الأمازيغ والأصول يمكن أن يكون مفيدا ومثريا حين يُعيد فتح الأسئلة التاريخية بروح علمية هادئة وبأدوات موضوعية، ويُساهم في الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي بوصفه ثروة للمجتمع لا ثغرة فيه. لكنه يصبح مدمرا حين يتحول إلى وقود لهويات مغلقة تبني نفسها على نفي الآخر واستئصاله الرمزي.
الاعتراف باللغة الأمازيغية وبثقافتها الغنية ومكانتها في تاريخ شمال أفريقيا لا يستلزم نفي الإسلام والعروبة. والانتماء إلى الحضارة الإسلامية العربية لا يستلزم طمس الجذور الأمازيغية. المجتمعات لا تبنى على نقاء هوياتي متخيل لم يوجد في التاريخ أصلا، بل على قدرة ناضجة وواعية على حمل تعقيد الهوية المركبة دون انهيار ودون احتياج إلى عدو لإثبات الوجود.