وما نراه على فيسبوك هو عينة صاخبة من هذا التخلف المنتشر في الواقع التونسي.. ويمكن تكثيف الأسباب في النقاط التالية:
ضعف التربية الإعلامية
عدم معرفة كيفية التحقق من المعلومات أو التمييز بين الرأي والمعلومة.
هيمنة العاطفة على العقل
نشر آراء حادة أو نظريات مؤامرة من دون تمحيص.
المساحة المفتوحة للجميع
الفضاء الرقمي لا يشترط مستوى علميًا أو ثقافيًا للمشاركة.
تأثير القطيع
إعادة نشر الأفكار الشائعة ضمن المجموعة حتى لو كانت خاطئة، لتجنب الاصطدام.
أما عن مظاهر أو أنماط التخلف المرصودة في السياق التونسي (فايسبوكيا وواقعيا)، فيمكن تلخيصها في خمس نقاط:
التخلّف المعرفي (Cognitive Backwardness)
ضعف في فهم المفاهيم الأساسية، أو نشر معلومات خاطئة دون التحقق، مع مقاومة التعلّم أو التصحيح.
ومن أمثلة ذلك على فيسبوك:
• نشر أخبار ملفّقة أو شائعات دون ذكر مصدر أو التأكد من صحتها.
•تكرار خرافات أو معلومات علمية منقوضة (مثل إنكار اللقاحات أو نظريات الأرض المسطحة).
والجذر الاجتماعي لهذا التخلف يكمن في:
• ضعف التعليم أو محدوديته.
• غياب مهارات التفكير النقدي في المناهج الدراسية.
ومن نتائج ذلك: نشر الجهل على نطاق واسع، وتعزيز بيئة غير صحية للحوار.
التخلّف القيمي (Ethical/Moral Backwardness)
التعبير عن مواقف أو قناعات تتعارض مع القيم الإنسانية أو الأخلاقية الأساسية.
ومن أمثلة ذلك على فيسبوك:
• التهجم على الآخرين بسبب الدين أو العرق أو اللغة.
• تمجيد العنف أو الاستبداد.
والجذر الاجتماعي لهذا التخلف يكمن في:
• ثقافة الإقصاء والتحيز المتوارثة.
• التوظيف السياسي أو الديني للكراهية.
ومن نتائج ذلك: زيادة الانقسام الاجتماعي، وتطبيع خطاب الكراهية.
التخلّف السلوكي (Behavioral Backwardness)
تصرفات رقمية فوضوية أو لا مسؤولة تعكس قلة الوعي بسلوكيات التواصل.
ومن أمثلة ذلك على فيسبوك:
• إغراق الصفحات بالتعليقات العشوائية أو الشتائم.
• تحويل أي نقاش إلى صراع شخصي.
والجذر الاجتماعي لهذا التخلف يكمن في:
• غياب ثقافة الحوار.
• الإحباط الاجتماعي والاقتصادي الذي يُفرَّغ في المنصات.
ومن نتائج ذلك: تدهور جودة النقاشات، وهروب الكفاءات من المشاركة.
التخلّف الجمالي (Aesthetic Backwardness)
ضعف الذوق العام في التعبير البصري أو اللغوي، بشكل يعكس فقرًا في التذوق الثقافي.
ومن أمثلة ذلك على فيسبوك:
• صور وتصاميم سيئة الجودة مرفقة بمحتوى غير مترابط.
• استخدام لغة هجينة أو ركيكة بلا ضابط.
والجذر الاجتماعي لهذا التخلف يكمن في:
• محدودية التعرض للفنون الراقية.
• سيطرة الثقافة الاستهلاكية السطحية.
ومن نتائج ذلك: إضعاف الحس الجمالي العام في المجتمع.
التخلّف التحليلي (Analytical Backwardness)
العجز عن فهم القضايا المركّبة والاكتفاء بالتفسيرات المبسطة أو المؤامراتية.
ومن أمثلة ذلك على فيسبوك:
• تفسير أي أزمة اقتصادية أو سياسية بأنها “مؤامرة” من طرف واحد محدد.
• تجاهل العوامل المتشابكة لصالح رواية أحادية.
والجذر الاجتماعي لهذا التخلف يكمن في:
• ضعف التعليم التحليلي.
• تسييس الإعلام والتعليم لخدمة روايات جاهزة.
ومن نتائج ذلك: تكريس العقلية الشعبوية، وإضعاف القدرة على اتخاذ قرارات عقلانية.
إذن، التخلّف الذي نراه على فيسبوك ليس ظاهرة منفصلة عن المجتمع، بل هو انعكاس مضخَّم لما هو موجود في الواقع.
التخلف الثقافي والمعرفي
إلى جانب الأسباب الموضوعية، هناك بُعد أعمق: الثقافة التي لا تُعلّم مواطنيها قراءة نقدية ولا تُدرّبهم على الشك المنهجي تُنتج جمهورًا سهل الاستهداف. والتخلف المعرفي لا يرتبط بالتعليم الرسمي دائمًا — شخص متعلم يمكن أن يُظهر تخلفًا معرفيًا أكبر من شخص أقل تعليمًا لكنه أكثر تساؤلًا.
الخروج يبدأ من التعليم — إعادة بناء مناهج تُقدّر التفكير النقدي على الحفظ. وهذا تحوّل ثقافي طويل المدى.
خاتمة
التخلف مشكلة قابلة للحل — لكن حلها يستلزم أولًا تسميتها بوضوح. وهذا المقال خطوة أولى في هذا الاتجاه.