من عادات الطائفة المسلمة في كندا، سنويا:

جمعية الطلبة المسلمين في مختلف الجامعات الكندية، وحتى الكيبيكية، تنظم في شهر أكتوبر “أسبوع التوعية بالإسلام” (Islamic Awarness Week)، تقوم فيه بتنظيم معرض صور وأجنحة تعريفية بأركان الإسلام، وتوزع مطويات حول العقائد والقضايا الكبرى، وشرح للشعائر، ويتواجد حوالي 50 متطوعا للإجابة عن تساؤلات الزوار

منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، كان لي (مع بعض الأصدقاء) شرف إطلاق تظاهرة (يوم المسجد المفتوح)، التي تبنتها في السنوات اللاحقة غالبية المراكز الإسلامية في كيبيك وكندا

وقوبلت التظاهرة في بداياتها بتوجسات ومخاوف وامتعاض الأغلبية الثقافية في كيبيك.. وتم استهدافنا إعلاميا، ورفض المسؤولون ووسائل الاعلام وحتى جيران المسجد، دعوتنا للحضور والاكل والحلويات، الخ.. ولكننا ثابرنا وكسرنا الطوق، والآن أصبحت التظاهرة عادة سنوية يأتيها وزراء نواب برلمان وجيران المركز الخ..

في سنة 2000، أيضا، أردت مع صديق مقزب، تأسيس فوج كشفي للمسلمين، وهو مشروع تم رفضه من قبل القيادة المركزية في كيبيك.. وبالمثابرة والإصرار الهادئ، والحوار، أقنعناهم بأهمية المشروع وجدواه.. وبعد عام كامل من المفاوضات، أسسنا الفوج، وكان لدينا فيه 70 طفلا، وحوالي 30 من الكبار

واستمر الفوج الكشفي ينشط حتى بعد مغادرتنا للمدينة، وانتهى بعد قرابة 15 سنة..

التظاهرات خرجت للعلن لاحقا، من خلال ما يسمى “مهرجان المسلمين”، وهو نشاط بستقطب حوالي 10 الاف في كل مدينة من المدن الكبرى، ويقام في الحدائق العامة

والآن لدى المسلمين، أنشطة وتظاهرات ثقافية وسياسية ودعوية، وتعريف بالملابس والأكلات والحلويات، إلخ. وتم في العاصمة أوتاوا تأسيس مركز نشر الدعوة الإسلامية، ومهمته توفير المصاحف والمطويات الدعوية للراغبين في التعرف على الإسلام..

سنة 2017، بعد أشهر من مجزرة المركز الاسلامي بكيبيك، نظمنا يوما مفتوحا في مركزنا بجاتينو.. حضره مئات من الجيران والمسؤولين والأصدقاء.. وكانت مفاجأة التطاهرك هي مجيء فوج كبير من تنظيم يميني متطرف يسمي نفسه Les soldats d’Odin، جاؤوا بدراجاتهم (motards) من مونتريال، في شكل استعراضي، لمنعنا من التظاهرة.. وبدل المواجهة معهم، تمكنا من تهدئتهم والحوار الهادئ معهم، واستضافتهم لعدة ساعات، وتحاورنا وتجادلنا وقدمنا لهم الحلويات، وتجولوا في أجنحة المعرض وأرجاء المركز، وأخذوا الصور معنا ومع المحجبات

وغادروا، وأصدروا لاحقا بيانا يتحدثون فيه تجربة إيجابية غيرت انطباعاتهم عن الاسلام والمسلمين، والتزموا فيه بعدم التعرض للمسلمين مستقبلا..

ولدي عشرات القصص الاخرى، ذكرت عددا منها في صفحتي منذ 2009،.

لماذا أتحدث عن كل هذا؟

لأن ظاهرة التحذير والتخويف من الأقليات في مجتمع أغلبي، هي بدعة فرنسية علمانية خالصة، يتولى كبرها يمين محافظ متطرف ويسار علماني متطرف (يا للغرابة، حين يجتمع تطرفان على أمر واحد)..

والتيار الأغلبي السني (المالكي الأشعري كما يحلو لهم تسميته) في تونس، دخلوا جحر الضب الفرنكفوني.. رواه الطبراني..

الطائفة الأشعرية المالكية التونسية والانفتاح

ما يُلاحظه من يتابع سلوك بعض التيارات الدينية التونسية هو نمط متكرر: التحصّن خلف “الهوية الزيتونية الأشعرية المالكية” كشعار يُوجد فزّاعة أمام أي حوار.

ما هو الإسلام الزيتوني الأشعري المالكي؟

في جوهره: تراث علمي تونسي راسخ يمتد لقرون، بنى نظامًا تعليميًا متكاملًا وأنتج علماء أثّروا في العالم الإسلامي. وهذا تراث يستحق الاحترام والدراسة.

لكن التوظيف الهووي لهذا التراث — بجعله حصنًا ضد أي سؤال أو حوار — يُحوّله من ثروة إلى قفص.

التجربة الكندية: نموذج مختلف

حين يُقدَّم الإسلام في أسابيع التوعية بالجامعات الكندية، يُقدَّم بالأفكار والقيم والروحانية — لا بالانتماء المذهبي. وهذا يُتيح حوارًا مثمرًا مع الآخر.

المسلم الذي يستطيع تقديم إسلامه بقيمه الجوهرية يُؤدّي دعوة حقيقية. من يتمسّك بالهوية المذهبية أمام جمهور لا يعرف تفاصيل الخلاف بين المذاهب يُضيّع الفرصة.

خاتمة

التراث الزيتوني ثروة حقيقية. لكن كل تراث يحتاج إلى حامليه الذين يفهمونه دون أن يكونوا رهائنه.