بين التأويل في التاريخ والإدانة في الحاضر: اقتتال الصحابة، ومشاركة إيران في الصراع السوري

من التناقضات اللافتة عند بعض المنتسبين إلى دائرتنا السنّية، أنهم في اقتتال الصحابة يرفضون إدانة طرف بعينه، حتى حين يَثبت عندهم وقوع القتل والظلم، ويتمسكون بمقولتين مشهورتين:

  • “كانوا متأوّلين”.
  • “تلك فتنة عصم الله منها سيوفنا، فلنعصم منها ألسنتنا”.

لكنّ هذا المنهج نفسه يختفي تمامًا حين يتعلّق الأمر بالصراع في سوريا. هنا لا حديث عن التأويل، ولا عن الإمساك عن الخوض، ولا عن التوقف في الفتن التي لم يشاركوا فيها. بل يتحول الخطاب مباشرة إلى لغة التجريم المطلق، واللعن السياسي، والشماتة، والتشفي، والاحتفاء بالضرب والاغتيال والدمار.

السؤال المنهجي هنا، قبل أن يكون سياسيًا، هو:

  • لماذا يُفتح باب التأويل هناك، ويُغلق هنا؟
  • ولماذا تُعصم الألسنة عن نزاعٍ مضى، ولا تُعصم عن نزاعٍ حاضرٍ أعقدَ منه وقائعَ وتشابكًا؟
  • ولماذا يُطلب منا في التاريخ أن نلتمس الأعذار، بينما يُمنع علينا في الحاضر حتى فهم سردية الطرف الآخر؟

خصوصًا أن الخطاب الإيراني ـ سواء اتفقنا معه أم اختلفنا ـ لا يخلو من حججٍ يطرحها أصحابه، منها:

  1. أن التدخل لم يكن ـ بحسب زعمهم ـ حربًا على المدنيين السنّة، بل مواجهةً للجماعات التكفيرية والمسلحة.
  2. أن المسألة كانت مرتبطة بحماية خط الإمداد إلى لبنان وفلسطين، لا بمجرد دعم شخص بشار الأسد لذاته.
  3. أن ما جرى في سوريا كان، في تصورهم، جزءًا من مواجهة مشروع أمريكي ـ إسرائيلي لإعادة تشكيل المنطقة وتقطيع أوصال محور المقاومة.
  4. وأن كثيرًا من الجرائم والانتهاكات لم تكن ـ حتى وفق روايتهم ـ ناتجة عن قرار إيراني مركزي مباشر، بل ارتبطت أساسا بميليشيات عراقية وشعبية منفلتة، دخلت بمنطق الانتقام والانتقام المضاد.

ليست القضية هنا تبرئة إيران، ولا تبني روايتها، ولا إنكار مظلومية السوريين، فهذا تبسيط ساذج.

القضية هي: أين ذهب المنهج الذي تتحدثون به في الفتنة الأولى؟ ولماذا لا تُطبِّقون قواعدكم نفسها عندما تصبح الخصومة معاصرة، والطرف المكروه سياسيًا أو مذهبيًا؟

ثم لنسأل الذين يجرّمون إيران اليوم باسم مظلومية المدنيين السوريين، ويُظهرون الفرح بكل اغتيال وضرب ودمار، هذه الأسئلة الواضحة:

  1. ما الذي ستجنيه سوريا فعلًا خلال السنوات العشر القادمة من إضعاف إيران ومحور المقاومة في المنطقة؟
  2. هل سيؤدي ذلك إلى استقرار سوريا، أم إلى مزيد من التفكك والوصايات والاختراقات الخارجية؟
  3. كيف يرون مستقبل غزة وفلسطين إذا انكسر كل خط دعم إقليمي لها؟
  4. هل يظنون أن إسرائيل، بعد أن تنفرد بالمنطقة، ستتوقف عند حدود فلسطين، أم ستتغول أكثر في المجال العربي كله؟
  5. ما هو البديل الاستراتيجي الحقيقي الذي يقدمونه للمنطقة: مقاومة، توازن ردع، تطبيع، استسلام، أم فراغ شامل؟
  6. هل يفرّقون بين نقد التدخل الإيراني وبين الابتهاج بتفكيك كل قوة إقليمية تقف ـ بدرجات متفاوتة ـ في وجه إسرائيل؟
  7. هل معيارهم هو دم السوريين حقًا، أم أن الدم يُستدعى حين يخدم الاصطفاف السياسي ويُنسى حين يحرج الحلفاء؟
  8. لماذا لا يُطبَّق منطق “التأويل” إلا على شخصيات التاريخ، بينما يُمنع حتى مجرد “فهم الدوافع” في نزاعات الحاضر؟
  9. وإذا كان الواجب في الفتن الإمساك عن التعميم، فلماذا يتحول الخطاب عندهم إلى شحن طائفي وتحريض مفتوح بمجرد تغيّر هوية الخصم؟
  10. وهل المشكلة فعلًا في الظلم، أم في هوية الظالم فقط؟
  11. وإذا كانوا يرفضون لعن شخصيات التاريخ بدعوى تعقّد المشهد، فلماذا يختزلون مشهد سوريا كله في رواية واحدة بلا تعقيد ولا تفصيل؟
  12. ثم بعد كل هذا الخراب: من الذي يملأ الفراغ؟ الشعوب؟ أم أمريكا؟ أم إسرائيل؟ أم الفوضى؟

ما أردت قوله هو أن المسألة ليست في أن تُدين أو لا تُدين، بل في أن تكون منصفًا في منهجك.

فمن فتح باب التأويل في الدماء القديمة، ثم أغلقه تمامًا في الدماء المعاصرة، ليس متّبعًا لقاعدة علمية، بل خاضعٌ لانتقائية سياسية ومذهبية. ومن قال: “تلك فتنة عصم الله منها سيوفنا فلنعصم منها ألسنتنا” ثم أطلق لسانه في كل فتنة معاصرة بما شاء من أحكام قطعية واصطفافات عمياء، فعليه أولًا أن يراجع صدق قاعدته، قبل أن يطالب غيره باحترامه.

ثم إنّ السياسة لا تعرف الفراغ، والمنطقة كذلك لا تقبل الفراغ.

فإضعافُ قوة إقليمية كإيران، بصرف النظر عن الموقف منها، لا يعني تلقائيًا ولادةَ وضع أفضل، ولا يفتح بالضرورة بابَ العدالة أو الاستقرار أو سيادة الشعوب. ومن السذاجة أن يُتصوَّر أنّ سقوطَ طرف أو هزيمتَه سيُنتج وحده مشهدًا عربيًا أكثر توازنًا أو حرية. بل قد يعني ـ في واقعٍ مختلٍّ أصلًا ـ أن يملأ الفراغَ الطرفُ الأكثر تنظيمًا وتفوّقًا وتوحشًا، أي إسرائيل ومن خلفها القوى الدولية الداعمة لها، لا الشعوب العربية المنهكة.

وعندئذٍ لا نكون أمام خلاصٍ حقيقي، بل أمام طورٍ أشدّ قتامة: تعميقٌ للهيمنة الإسرائيلية، وتوسيعٌ لمجال الارتهان العربي، وتركٌ لفلسطين في عزلة أشد، وفتحُ أبواب المنطقة على مزيدٍ من التفكك والتطبيع والاستباحة.

فالمشكلة ليست فقط في مَن يَسقط، بل في مَن يملأ الفراغ بعده. وحين تكون البدائل المطروحة هي مزيدًا من العجز، أو التفكك، أو الانكشاف الكامل أمام إسرائيل، فإنّ الاحتفاء بهزيمة إيران لا يبدو انتصارًا أخلاقيًا أو سياسيًا، بقدر ما يبدو تهيئةً لمرحلة عربية أكثر قتامة، وأشدّ وطأة على سوريا وفلسطين والمنطقة كلها.