أستمع أحيانا إلى من يتحدثون عن أزمة الفلاحة التونسية كما لو كانت أزمة موارد أو ميزانيات أو سياسات وزارية. وهذا ليس خاطئا تماما، لكنه يقفز فوق السؤال الأعمق: أين تبدأ الأزمة الحقيقية؟ في تقديري، تبدأ في الجامعة، بل قبلها في المدرسة. لأن الفلاحة المتطورة لا تنتج من الأراضي وحدها، بل من العقول التي تُفكر فيها بطريقة مختلفة. والعقول لا تتشكل في الوزارات، بل في الفصول الدراسية.
هذه القناعة لم تأتِ من فراغ. جاءت من سنوات أمضيتها في كندا، وتحديدا من كيبيك، حيث لاحظت كيف يُعامَل الارتباط بين التعليم والإنتاج الفلاحي باعتباره ضرورة وطنية لا رفاهية بيداغوجية. وسأشارك هنا فكرتين متمايزتين لكنهما متكاملتان.
الفكرة الأولى: إصلاح الفلاحة يمرّ أولا بالجامعة
الجامعة التونسية لا تزال في معظمها تُنتج خريجين يُجيدون حفظ المعلومة لكنهم يجهلون كيف يُطبّقونها في الميدان. هذا صحيح في كثير من التخصصات، لكنه أشد ضررا في الميدان الفلاحي الذي يحتاج إلى تقاطع فعلي بين علوم الأرض والمياه والبيولوجيا النباتية والهندسة المدنية والاقتصاد الريفي.
عرفت صديقا أستاذا تونسيا تكوّن في مونتريال لسنوات، وعاد إلى تونس محمّلا بروح مختلفة في التدريس: لم يعد يكتفي بإلقاء المحاضرات، بل كان يصطحب الطلاب إلى الحقول ويُكلّفهم بمشاريع حقيقية. ثم بعد سبع سنوات من العودة، التقيته فوجدته قد نسي — أو أُرغم على النسيان — كل ما تعلّمه في كندا عن بيداغوجيا الابتكار. المحيط المؤسسي بلغ به إلى مستوى ما كان عليه قبل رحلته.
هذه الحادثة الصغيرة تقول شيئا كبيرا: لا يكفي أن تُكوَّن أفراد إذا لم تتغير البيئة التي يعملون فيها. إصلاح التعليم الفلاحي يستلزم ثلاثة أشياء في آن واحد: مناهج تقوم على المشاريع الميدانية لا على المحاضرات المجردة، وشراكات مؤسسية حقيقية بين كليات الفلاحة والهندسة والعلوم، وثقافة مؤسسية تُكافئ المبادر لا تُعاقبه. وأيٌّ من هذه الثلاثة لا تأتي بمرسوم، بل تُبنى ببطء وصبر.
الفكرة الثانية: الفصل الذي يربط التعلم بالإنتاج
ذات مرة استمعت في الإذاعة الكيبيكية إلى تقرير عن مبادرة مدرسية في بيئة ريفية، وكانت الفكرة الأساسية فيها أعمق من تفاصيل المكان نفسه. ما جذب انتباهي لم يكن دعما حكوميا كبيرا ولا استثمارا ضخما، بل مبادرة تربوية يقودها معلم أراد أن يُحوّل الدرس إلى تجربة إنتاجية حقيقية.
هذا المعلم قرر أن يُحوّل الفصل الدراسي إلى فضاء تجربة لا إلى مكان تلقين فقط. استُخدمت تقنيات زراعة مائية داخلية، وزرع الأطفال محاصيل متنوعة، ثم رُبط ذلك بفكرة عرض المنتوج وبيعه داخل محيطهم المحلي. قد تختلف تفاصيل المشروع الدقيقة من تجربة إلى أخرى، لكن الدرس التربوي هنا واضح: الطفل لا يتعلم الفلاحة من خطاب نظري، بل من دورة كاملة يعيشها بنفسه من البذرة إلى المنتج.
وما التفتُّ إليه أكثر من المشروع نفسه هو أثره التربوي المضاعف: الأطفال الذين يزرعون بأيديهم، ويقيسون، ويسقون، ويتابعون النمو، ثم يعرضون ما أنتجوه، لن ينظروا إلى الفلاحة باحتقار أو بعداء. وهذا النوع من التعلم يترك أثرا أعمق بكثير من أي خطاب حكومي يدعو الشباب إلى “العودة إلى الأرض”.
ما الذي يمكن أن تستفيده تونس؟
المثال الكيبيكي لا أُقدّمه باعتباره نموذجا جاهزا للنقل. فكيبيك لديها سياقها المناخي والمؤسسي والاقتصادي الخاص. لكن المبدأ الكامن فيه قابل للاستئناف في أي بيئة: حين يُعطى المعلم والمتعلم مشروعا حقيقيا ذا أثر محلي ملموس، يتحول التعلم من واجب إلى معنى.
تونس تملك امكانية كبيرة في هذا الاتجاه. المناطق الريفية تعاني من هجرة الشباب جزئيا لأن التعليم لم يُقنعهم بأن أرضهم تستحق البقاء. مناهج تجمع بين الفصل والحقل، بين الحساب والحصاد، بين العلم والإنتاج، قد لا تحل أزمة الفلاحة كلها لكنها تُعيد بناء العلاقة الوجدانية بين الجيل الجديد وأرضه — وهذه العلاقة هي البنية التحتية لأي إصلاح فلاحي جدي.
المدارس الزراعية التجريبية موجودة في تونس بشكل أو بآخر، لكنها تبقى في هامش المنظومة التعليمية. جعلها في القلب، وتوسيع نموذج “المشروع الإنتاجي” ليشمل مدارس المناطق الريفية، هو رهان تربوي يستحق الاستثمار قبل بناء السدود والقنوات.
خاتمة
قد يبدو الحديث عن سقف فصل دراسي مزروع بالخضروات في قرية كيبيكية بعيدا عن تحديات الفلاحة التونسية. لكن ما يبدو صغيرا في الشكل قد يكون كبيرا في المبدأ. المجتمعات التي تعلّم أطفالها أن ينتجوا ويبيعوا ويتحملوا مسؤولية مشروع حقيقي منذ الصغر تُنتج في الغالب مواطنين مختلفين عن تلك التي تعلّم أطفالها فقط أن يحفظوا ويُجيبوا على الأسئلة. والفلاحة لا تحتاج فقط إلى أراضٍ وأمطار وقروض، بل إلى أجيال تؤمن بأن العمل في الأرض مشروع إنساني كريم يستحق العقل والطموح.