عن الكتاب
لماذا تتعثّر المجتمعات العربية رغم وفرة الخطط والاستراتيجيات والوعود الانتخابية؟ لماذا يبدو كل إنجاز مهدداً بالانهيار عند أول امتحان حقيقي؟ هذا الكتاب يجيب بأن الأزمة ليست في غياب البرامج أو ضعف التخطيط، بل في تصدّع الأسس المرجعية التي يُفترض أن يتفق عليها الجميع قبل الشروع في أي إصلاح.
ينطلق المؤلف من التجربة التونسية بعد 2011 ليكشف كيف تحوّل الأمل في بناء ديمقراطية ناشئة إلى ساحة صراع حول المرجعيات والمنطلقات، قبل أن يكون صراعاً حول السياسات. شلل تشريعي نتج عن تعذّر الحسم بين مرجعية المواطنة المتساوية ومرجعية الهوية الأغلبية، وانهيار للثقة حين تحوّلت الأولويات الظرفية إلى ذرائع لإلغاء الحقوق أو تأجيلها بلا سقف زمني، ثم تركيز للسلطة وتعليق لآليات الرقابة بعد 2021.
يطرح الكتاب أطروحة مركزية واضحة: العدل هو “الأولوية فوق الأولويات”، والمواطنة المتساوية هي “المنطلق الجامع”، والآلية هي سلّم مؤسَّس لإدارة الخلاف يقوم على التوافق الواسع في قضايا الجوهر، والتنافس المؤطَّر في السياسات القابلة للمراجعة، والتحكيم الدستوري عند الانسداد. من دون هذا الثالوث، تظل الديمقراطية مجرد صراع عبثي يعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها.
والكتاب ليس تأريخاً لمرحلة 2011-2021 فحسب، بل قراءة لظاهرة هيكلية سبقت الثورة وتغذّت من أنماط الحكم والاقتصاد السياسي منذ بناء الدولة الوطنية. إنه دعوة لتحويل الاختلاف من صراع معطِّل إلى جدل بنّاء، وإطار عملي للتفكير والعمل يضع بين يدي القارئ أدوات ومنهجيات لإعادة بناء الثقة وإدارة الخلاف.
لماذا هذا الكتاب؟
يلاحظ المؤلف أن سيل التصورات والاستراتيجيات لم ينقطع في تونس منذ عقود: خطط خماسية للتنمية، ورؤى إصلاحية في التعليم والصحة، ووعود انتخابية تتكرر عند كل استحقاق. هذه الوفرة توحي بأننا شعب لا ينقصه التخطيط. لكن الحقيقة أن ما نفتقده ليس الجواب على سؤال “كيف نصل؟” - فالوسائل متاحة والتقنيات يمكن استيرادها - بل الجواب على سؤال أعمق: “إلى أين يجب أن نتجه؟” و”من أي نقطة نبدأ؟”.
هنا تكمن الأزمة الجوهرية: أزمة مرجعية قبل أن تكون أزمة إدارة، وأزمة معنى قبل أن تكون أزمة تقنية. والأخطر أنّ “أزمة المنطلقات” ليست مجرد خلاف فكري نبيل، بل هي انعكاس لصراع مصالح مادية: جزء معتبر من النخب يستثمر في “اقتصاد الاستثناء” ويحوّل الأولويات الظرفية إلى ثوابت فوق دستورية لتعليق الحقوق إلى أجل غير مسمى. هذا النمط ليس حكراً على تونس، بل هو ظاهرة عربية عامة، لكنه في تونس حيث تعايش شعب ثائر مع نخبة منقسمة كان أوضح وأكثر خطورة.
منهج الكتاب
يقع الكتاب في منطقة وسطى بين الدراسة الأكاديمية والكتابة العمومية: ينتمي إلى العلوم السياسية والسياسات العامة، ويستفيد من أسئلة الفقه الدستوري، لكنه مكتوب بلغة مباشرة موجّهة لكل قارئ معنيّ بالشأن العام. ينطلق من التجربة التونسية كحقل اختبار حيّ، ويستعمل أمثلة واقعية ملموسة لتفكيك المفاهيم وإعادة بنائها على أسس عقلانية. وهو حصيلة خبرة مهنية تمتد لأكثر من خمسة وعشرين عاماً في كندا عند تقاطع التكنولوجيا والحوكمة والسياسات التنظيمية.
الكتاب موجّه لصنّاع القرار والسياسيين بأدوات عملية، وللباحثين والطلبة بمساهمة تجمع بين النظرية والتطبيق، وللمجتمع المدني والمواطنين بدعوة للتفكير في المنطلقات الكبرى بعيداً عن الاستقطاب اللحظي.
محتويات الكتاب
- المقدمة: أزمة المنطلقات قبل أزمة البرامج - تشخيص الأزمة البنيوية في تونس وتأطير السؤال المركزي حول المرجعيات والأولويات
- الفصل 1: إشكال المنطلق والأولوية - لماذا يختلف الناس حول الثوابت والمتحولات؟ التمييز بين المنطلق كقيمة عليا ثابتة والأولوية كفن للتراتب في عالم محدود الموارد
- الفصل 2: الصراع على المرجعية - معتقد الأغلبية أم المواطنة المتساوية؟ الشرعية الإجرائية والجوهرية، والدستور كميزان ضابط، وخطوط “اللامساس” في دولة المواطنة
- الفصل 3: سلّم مؤسَّس لإدارة الخلاف - متى نوافق؟ متى نتنافس؟ ومتى نحتكم لقضاء مستقل؟ ضمانات مشتركة وخفض حرارة الاستقطاب
- الفصل 4: فنّ التراتب وإدارة الأولويات - الحرية أم العدالة أولاً؟ أزمة التراتب قبل أزمة الإنجاز، وتعريف تشغيلي للمصلحة الوطنية
- الفصل 5: قواعد الموازنة ومنهجية الحسم - من المطلق والمقيّد إلى فقه المآلات، القواعد الفكرية والإجرائية لترجيح السياسات
- الفصل 6: نحو سلم أولويات متوافق عليه - الإطار المرجعي الضامن والمنهجية العملية وخريطة طريق لدولة العدل
- الفصل 7: تطبيقات من التجربة التونسية (2011-2025) - عشر قضايا حيّة: الشريعة في الدستور، حرية الضمير، المساواة في الإرث، العدالة الانتقالية، حرية التعبير والأمن، المساواة بين الجهات، الإصلاح الاقتصادي، النقابات والإضرابات، الحريات الفردية، وإجراءات 25 جويلية 2021
- الفصل 8: تحصين الأطروحة - ردّ على اعتراضات متوقّعة
- الخاتمة: العدل كأولوية فوق الأولويات
- ملحق 1: مصفوفة مقترحة للأولويات الوطنية (لوحة قيادة تنفيذية)
- ملحق 2: اختبار السياسات الخمسة (دليل عملي مقترح)
مقتطفات
ليست أزمتنا أزمة خطط أو شعارات، بل أزمة منطلقات وأولويات. المنطلق الجامع: المواطنة المتساوية. الأولوية فوق الأولويات: العدل. الآلية: سُلّمٌ مؤسّسٌ لإدارة الخِلاف. من دون ذلك، تظل الديمقراطية مجرد صراع عبثي يعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها.
وأخطر ما يقع هنا هو الخلط بين المنطلق والأولوية. فحين تُحوّل السلطة أولوية ظرفية - كالأمن أو الاستقرار المالي - إلى منطلق ثابت يعلو على كل شيء، فإنها تُجمّد النقاش حول الأسس الحقيقية للدولة، وتستعمل الظرف غطاءً لإلغاء قواعد المواطنة والعدالة. إنها آلية الاستبداد الناعم: حيث يبتلع الاستثناءُ الأصلَ، وتتحول “الضرورة” إلى عقيدة لا تُراجَع.
إن بناء دولة عادلة وديمقراطية لا يقوم على أدوات الحكم أو تفاصيل السياسات فحسب، بل يبدأ من اتفاق على العقد الجامع: ما هي المرجعية العليا التي تحكم الجميع؟ ما هو الميزان الذي يُرتّب الأولويات؟ وما هي الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها، حتى لو أرادت الأغلبية ذلك؟
بطاقة الكتاب
| العنوان | أزمة المنطلقات والأولويات في تونس: لماذا فشلنا في الانتقال الديمقراطي، وكيف نتعلم من التجربة؟ |
| العنوان الفرعي | رسالة تحليلية: العدل كـ “الأولوية فوق الأولويات” |
| المؤلف | محمد بن جماعة |
| سنة النشر | 2025 |
| الناشر | دار العلوي للنشر والتوزيع |
| الترقيم الدولي | ISBN: 978-9909-752-16-6 |
| اللغة | العربية |
| الحالة | منشور |