بالنسبة إلي، الحج ليس ساحة احتجاج، ولا منصة خطابة، ولا مفاوضات دبلوماسية.. الحج هو خروجٌ من الدنيا، لا دخولٌ في صراعاتها.. هو انتقال من “العالم” إلى “الآخرة”.. انتقال من الهوية السياسية والمحلية إلى الهوية الإنسانية والعالمية.. انتقال من تفاصيل الظلم إلى الحقيقة الأوسع: أنك مخلوق ضعيف، ذاهب إلى خالقك، عارٍ من كل شيء إلا من قلبك.

الموقف السياسي واجبٌ في ساحاته: في الإعلام، في البرلمانات، في ساحات النضال، في حملات الوعي. أما المشاعر، فهي ساحة تطهُّر، لا ساحة تراشق.. فيها تتساوى عيّنة واسعة من البشرية تحت الشمس، وتصمت الألسنة ليتكلم القلب وحده. .

من أراد للحج أن يكون جبهة صراع، أو منبر نقد وتصفية حسابات سياسية، فقد شوّش على المقصد الديني، وربما سرق من الحاج لحظته التي لا تعوَّض، حيث يُجاب الدعاء وتُكتب الحياة من جديد.

نعم، نرفض الظلم، ونتألم للفلسطيني، وندعو للعدل. لكننا نفهم أن الله حين شرع الحج، لم يربطه بتوازنات الأرض ولا بتوقيت المظالم، بل جعله ميعاداً فردياً للرجوع، موسماً للغفران، وانعتاقاً مؤقتاً من صخب الدنيا - لا تجاهلاً لها، بل استعداداً أفضل لمواجهتها بنقاء أعمق.

فدعوا الحج للحجيج، ولا تحمّلوهم ما لم يُرد الله لهم..

الحاج وتسييس العبادة

ما يُصيب الخطاب الديني السياسي أحيانًا هو تحميل الفرد المؤمن مسؤولية “موقف الأمة” في لحظات عبادته الخاصة. الحاج الذي يقف في عرفات يُلام لأنه لم يرفع شعارًا.

هذا الخلط بين مستويين — العبادة الخالصة والموقف السياسي — يُفسد كليهما.

العبادة كفضاء خاص

العبادة الإسلامية — رغم بُعدها الاجتماعي والجماعي — تحتفظ بجوهر خاص: المناجاة المباشرة بين العبد وربه. هذا الفضاء لا يُنافسه فيه أحد ولا يُملي عليه فيه أحد.

من يُريد من الحاج أن “يُسيّس” حجّه يُريد في الواقع أن يُدخل وسيطًا سياسيًا في علاقة مباشرة مع الله.

الفرق بين التضامن والاستغلال

التضامن مع المظلومين واجب — في الخطبة وفي الدعاء وفي المواقف العملية. لكن تحويل كل طقس ديني إلى موقف سياسي هو استغلال للدين لا دفاع عنه.

خاتمة

دع الحاج يناجي ربه. وأنت في مكانك تفعل ما يجب فعله.