صور اليوم من إيران، في إحياء يوم القدس العالمي، ليست مجرد صور لمسيرة أو تجمّع سياسي عابر، وإنما هي صور مثقلة بالمعاني والدلالات؛ صور تحدٍّ وصمود، وصور انتصارٍ معنويٍّ واضح.
أن تنزل قيادات الدولة إلى الشارع، وأن يحتشد الناس رغم أجواء الحرب، ورغم التهديد، ورغم سقوط القصف في أماكن قريبة من المظاهرات، فذلك ليس سلوكًا يمكن تفسيره بسهولة بلغة الحسابات السياسية الباردة. ففي منطق السياسة التقليدي، تتراجع التجمعات حين يرتفع الخطر، ويُقدَّم الأمن الشخصي على الرمز، وتُؤجَّل الشعارات الكبرى إلى حين هدوء الميدان. لكن ما جرى هنا يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.
هذا التمسك العجيب بيوم القدس، وهذا الإصرار على إحيائه مهما كانت الظروف، يكشف أن بعض القضايا لا تبقى مجرد ملفات سياسية في أجندات الدول، بل تتحول مع الزمن إلى جزء من الوجدان الجمعي. وإذا بلغت القضية هذا المستوى، فإنها لا تعود محكومة فقط بعقل السياسة، بل تستقر في عمق الهوية والذاكرة والمعنى، بل في عمق المقدّس الذي تُبذل من أجله الأرواح.
ولهذا، فإن مشهد النزول إلى الشارع رغم إمكان المخاطرة بالنفس لا يمكن فهمه فقط من خلال التحليل السياسي أو بلغة توازنات القوى. إنه تعبير عن أن القدس، بالنسبة لهؤلاء، ليست مجرد شعار مرحلي، ولا ورقة ضغط إقليمية، بل هي عنوان وفاء، ورمز تحدٍّ، وجزء من الكرامة التاريخية والوجدانية والدينية.
وما رأيناه اليوم هو، في أحد وجوهه، ردٌّ جديد ومتجدد على كل من شكك في صدق ارتباط الإيرانيين بالقدس وفلسطين. فمثل هذه المشاهد لا تصدر عن علاقة توظيفٍ باردٍ لقضيةٍ ما، وإنما عن ارتباطٍ حيٍّ بها، واستعدادٍ لتحمّل أثمان هذا الارتباط. ولذلك فهي أيضًا صفعة معنوية لهؤلاء الطائفيين البؤساء الذين لا يكفون عن التشكيك، لأن بعض الوقائع تكون أبلغ من كل السجالات، وبعض الصور تهدم وحدها أكوامًا من الخطابات المريضة.