كان الراحل متحصلا على الدكتورا في الفلسفة، ومتخصصا في نقد الفلسفة الغربية والإلحاد. ومن أوائل من قدّموا نقدًا عقلانيًا منهجيًا للفكر الغربي من منظور إسلامي. وكانت له إسهامات في الرد على العلمانية، والفلسفة الوضعية، والنسوية، والليبرالية. وبرع في توضيح العلاقة بين العقل والنقل، ومفهوم العلمانية والحداثة في العالم الإسلامي..
درّس في الخرطوم، والرياض، ثم بريطانيا، وواشنطن (في المعهد العالمي للفكر الإسلامي).
قرأت له بعض كتبه ومقالاته منذ أكثر من 20 سنة:
الفيزياء ووجود الخالق (مناقشة عقلانية حول وجود الخالق من منظور فيزيائي) - 2001
نظرات في منهج العمل الإسلامي (بحوث عن المنهج في العمل الإسلامي وتنظيمات معاصرة) - 1999
وجزءا من كتابه الأخير
مناهج التفكير الموصلة للحقائق الشرعية والكونية - 2015..
ولعل الأول، عندي، هو الأهم (لأنني كنت لسنوات طويلة مهتما بالمؤلفات المتعلقة بالايمان ومسالك البحث في وجود الله)..
يليه بحث دقيق مدرج في كتابه “نظرات في منهج العمل الإسلامي” بعنوان: “مشكلة المنهج عند سيد قطب”..
أبرز محاور نقده لسيد قطب:
المبالغة في فكرة الجاهلية
سيد قطب اعتبر أن المجتمعات الإسلامية المعاصرة كلها “جاهلية”، حتى تلك التي تقيم شعائر الإسلام (الصلاة، الصوم، …). وجعفر شيخ إدريس يرى أن هذا تعميم خطير وغير دقيق، لأن المجتمع المسلم فيه خير وشر، ويجب التفريق بين وقوع بعض الناس في المعاصي وبين نفي الإسلام عن المجتمع بأسره. يقول إدريس: “هذا الوصف يترتب عليه نتائج عملية خطيرة، منها استباحة تكفير الناس، ونزع الشرعية عن المجتمع المسلم كله.”
الغلو في مسألة الحاكمية
سيد قطب ركّز على “الحاكمية” كمحور الإسلام، حتى كأنها تختزل التوحيد. وجعفر يرى أن الحاكمية جزء من التوحيد وليست التوحيد كله. ويحذر من تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني محض، مما قد يؤدي إلى تضييق دائرة الإسلام.
المنهج الثوري مقابل المنهج الإصلاحي
سيد قطب ميّال إلى التغيير الجذري والثوري، ويرى أن المجتمعات الجاهلية يجب أن تُستبدل تمامًا بالمجتمع الإسلامي. وجعفر شيخ إدريس ينتقد هذا التوجه ويقول: “الدعوة إلى التغيير الشامل الفوري تؤدي غالبًا إلى الفوضى، بينما الإصلاح التدريجي هو سنة الأنبياء.”. ويدعو إلى التدرج في التغيير، والبدء بالدعوة والتربية قبل الصدام مع الأنظمة أو المجتمعات.
التسرع في التكفير
رغم أن سيد قطب لم يصرّح بتكفير المسلمين بشكل مباشر، إلا أن عبارات مثل: “الناس ارتدوا عن لا إله إلا الله” فتحت باب التأويل. وجعفر يرى أن هذه التعبيرات تفتح بابًا للغلاة والمتطرفين في التكفير. وينبّه إلى أن الخوارج بدأوا بنفس هذا المسار.
الاستغناء عن الفقه التقليدي
سيد قطب كان يميل إلى تجاوز الفقهاء التقليديين ويرى أن “المنهج القرآني” يغني عن الفقه المدون. وجعفر شيخ إدريس انتقد هذا التوجه قائلاً:
“العلماء ورثوا علومًا جليلة لا يجوز إهدارها بدعوى العودة المباشرة إلى القرآن دون فهم سليم.”
وهذا رغم إقراره بحوانب إيجابية في منهج سيد قطب: قوة التعبير وأسلوبه الأدبي، الاهتمام بالجانب التربوي، مقاومة الطغيان، الدعوة للعودة للقرآن..
الراحل كانت له أيضا علاقة فكرية وتاريخية مع حسن الترابي، لكنها علاقة معقّدة تطوّرت من التعاون إلى التباين والافتراق، بل إلى نقد شديد وصريح للترابي وتياره السياسي لاحقًا..
كان جعفر ينتقد التسييس الدعوي والتأويلات السياسية للإسلام.. ويرفض تحويل المشروع الإسلامي إلى مجرد مشروع سلطوي أو تنظيمي سياسي، وهو ما اعتبره من أكبر أخطاء الترابي
رحمه الله رحمة واسعة..
جعفر شيخ إدريس: مفكر في سياقه
جعفر شيخ إدريس نموذج نادر في الفكر الإسلامي المعاصر: فيلسوف بالتدريب الأكاديمي الغربي، مسلم بالقناعة الإيمانية العميقة، ومفكر استطاع أن يُقدّم نقدًا فلسفيًا للإلحاد والعلمانية بأدواتهما الخاصة.
درس في بريطانيا وحصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة مرموقة. ثم عمل في مؤسسات إسلامية أكاديمية في السعودية وأمريكا.
إسهاماته الفكرية الأساسية
ما يُميّز شيخ إدريس أنه لم يكتفِ بالرد الدفاعي على الإلحاد — بل انتقل إلى النقد الهجومي: أي أنه أثبت أن الإلحاد ذاته يقوم على افتراضات فلسفية غير مبرهنة. موقفه من الفلسفة الوضعية — التي تدّعي العلمية المطلقة — كان نقدًا يستخدم أدوات الفلسفة التحليلية ذاتها.
وكانت له مساهمات في التأسيس لإبستمولوجيا إسلامية: كيف يعرف المسلم؟ وما أسس اليقين في المنظومة المعرفية الإسلامية؟
الخسارة التي يمثّلها رحيله
رحل شيخ إدريس في وقت تحتاج فيه الثقافة الإسلامية إلى مفكرين يُجيدون الحوار مع الفلسفة الغربية من موقع ندّي لا من موقع دفاعي. هذا النوع من العلماء نادر ورحيله خسارة حقيقية.
خاتمة
رحمه الله رحمة واسعة. وأمثاله يذكّرون بأن الإسلام الفكري الجاد يُنتج عقولًا لا تخشى السؤال الفلسفي العميق.