يندر أن تجد أحدا منا، نحن المسلمين، لا يعاني من اضطراب في العلاقات سواء في الأسرة أو في دائرة الأصدقاء أو في العمل. ويندر أن يعيش أحدنا بدون خلافات ونزاعات وخصومات يصل بعضها لدرجات مدمّرة نفسيا واجتماعيا.
وفي المقابل، يقول الله عز وجل في سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. فلماذا نعاني في حياتنا اليومية من كثرة المشاكل والخلافات والقلق، رغم إيماننا وعملنا الصالح؟ هل نحتاج لإعادة نظر وإعادة ترتيب في رؤيتنا للحياة لتحقيق معنى “الحياة الطيبة”؟
سورة النحل، قرأتها سابقا عشرات المرات، إلا أنني شعرت كأنني أقرأها للمرة الأولى. وجدت أن السورة ملخص كامل للقرآن الكريم. وقارنت محتواها بما قرأته سابقا عن مفهوم “رؤية العالم” الذي يعتمده الفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسة منذ أواخر القرن التاسع عشر، وقارنت محتواها بخلاصة علم النفس الفردي، فوجدت أن توجيهات السورة تلتقي كثيرا مع ما تدعو له هذه المعارف الجديدة.
هذا الأمر ينبه إلى الحاجة لتجديد فهمنا للقرآن وتنويع زوايا النظر على ضوء المعارف الجديدة:
-
فتطور المعارف حول الطبيعة والنفس البشرية، واكتساب معرفة إضافية، يدعونا لمراجعة بعض القضايا بما يتفق وهذا الجديد من العلم. والقضايا الدينية عموما لا تخرج عن هذه القاعدة. فنحن بحاجة أحيانا لإعادة قراءة القرآن من زوايا جديدة اعتمادا على تطور معارفنا.
-
أضف لذلك، أن مهمتنا كأجيال أتت بعد الجيل الأول للإسلام لا يمكن قصرها على مجرد جمع أقوال الجيل الأول وحفظها وشرحها وشرح الشروح عليها. وإنما نحن مكلفون أيضا بخدمة الحق والدعوة إلى الله بالمعارف الجديدة التي نكتسبها، خصوصا وأن الكفر والإلحاد والتشكيك في حقائق الدين أمر قائم ودائم، ويجدد وسائله ومقولاته ويبتكر أدوات معرفية جديدة، يتحدى بها الإيمان، وهذا يفرض علينا التعامل معه وفق المستجدات والمتغيرات، وتحديه بأدوات معرفية جديدة.
ما المقصود برؤية العالم؟
هو اصطلاح يستعمل لعرض وجهة نظر شمولية لفرد ما أو لمفكر أو جماعة، حول الكون والعالم والحياة، وحول المشكلات والقضايا التي تتعرض لها الإنسانية في واقعها. ويعرّفها الفلاسفة بأنها مجموعة متجانسة من المفاهيم تسمح بصياغة تصور عام للعالم والحياة، وصياغة فهم لأكبر عدد ممكن من عناصر الخبرة والتجربة الحياتية.
ويشترط الفلاسفة لكي تكون الرؤية كاملة، أن تجيب عن ستة أسئلة جوهرية لتشكيل “رؤية للعالم”:
-
سؤال الواقع (ماذا؟): ما هي طبيعة عالمنا الذي نعيش فيه الآن؟ ما هي تركيبته؟ وكيف يتم توظيفه؟
-
سؤال الماضي والبدايات: كيف نشأ العالم؟ ومن أين؟ ولماذا أصبحت وضعية العالم على ما هي عليه الآن؟
-
سؤال المستقبل: ما هو مصير الحياة في هذا الكون؟ وما هي السيناريوهات المتاحة للبشرية؟
-
سؤال القيم والأخلاق: ما هو الخير وما هو الشر؟ وما هي غاية الحياة؟
-
سؤال الفعل والسلوك الإنساني: كيف ينبغي أن نتصرف؟ وعلى أي مبادئ نؤسس فعلنا وسلوكنا؟
-
سؤال المعرفة: كيف نكتسب المعرفة، ونصوغ تصوراتنا؟ وكيف نتأكد من صوابية معرفتنا ونبرهن عليها؟
-
ثم يقترحون سؤالا كليا شاملا وهو: من أين نبدأ، للإجابة عن كل الأسئلة السابقة؟ وما هي المنهجية؟
أنواع رؤى العالم
يمكن أن نجد رؤية دينية (منطلقة من أسس دينية، مثل الرؤية الإسلامية، الرؤية المسيحية، الرؤية البوذية)، أو رؤية إيديولوجية وفلسفية (مثل الرؤية القومية، الشيوعية، النازية، الليبرالية، الاشتراكية). وتوجد رؤى فرعية من كل الرؤى الكبرى (مثل الشيعة والسنة، والسلفية والصوفية، والكاثوليك والبروتستانت، والقومية البعثية، والشيوعية التروتسكية واللينينية).
وكما نلاحظ، فمفهوم رؤية العالم قريب جدا لعلم الفرق والملل والنحل، الذي كتب فيه بعض العلماء (عبد القاهر البغدادي، وابن حزم، والشهرستاني، والنوبختي). ولكن كتابتهم لم تكن ممنهجة بل تجميع للفروقات البسيطة والمركبة.
هل هناك ضرورة لامتلاك رؤية للعالم؟
صياغة “رؤية للعالم” تلبي احتياجات نفسية واجتماعية حقيقية. ومن يملك رؤية دينية أو فلسفية واضحة للعالم، يكون أقل شعورا بالقلق الوجودي واليأس وضعف الثقة بالنفس.
والإيمان والعقائد الدينية من أهم العوامل في تحصيل السعادة لأنها تضفي معنى على الحياة والوجود، وتملأ النفس بالأمل والثقة، وتعطي تفسيرا عميقا للآلام والمعاناة، وإحساسا بالانتماء إلى كيان أكبر.
وعلى هذا، فنحن جميعا بحاجة ماسة إلى رؤية ما للعالم، ولو لم تكن كاملة الوضوح، وبحاجة أيضا لأن يكون لدينا بعض عناصر الإجابة لكافة التساؤلات المتعلقة بالكون والحياة.
الرؤية القرآنية للعالم من خلال سورة النحل
آياتها: 128. سورة مكية ماعدا الآيات 126–128 فمدنية. نزلت بعد سورة الكهف وقبل سورة نوح.
-
السورة خلاصة شبه كاملة للرؤية القرآنية للعالم، وتجيب عن الأسئلة الستة. وتدعو الإنسان للنظر والتأمل في كل ما يحيط به في الحياة، وإدراك ما وفره الله للإنسان لبناء “الحياة الطيبة” على الأرض بشكل عام. وتعطيه إجابات سريعة ومركّزة عن كل ما يحتاجه لبناء رؤيته للكون والعالم والحياة.
-
تبدأ السورة بالحديث عن المدخل لامتلاك الإجابة السليمة عن التساؤلات الكبرى للحياة حتى لا يبقى الإنسان حائرا ضعيفا أمامها: كيف وجدتُ في هذه الأرض ولماذا؟ وماذا عليّ أن أفعل؟ وما هو مآلي بعد الموت؟ فتذكر أن المدخل الوحيد هو الوحي والنبوة: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: 1–2].
-
ثم تنطلق في بيان الرؤية، منذ بدايات الخلق (سؤال الماضي والبدايات): فالسماوات والأرض خلقتا بالحق (في غير عبث). والإنسان خلق من نطفة، ولكنه سيصبح تدريجيا خصيما مبينا، مجادلا بعقل ولسان، قادرا من خلالهما على التفكير والبيان والتواصل مع الآخرين.
-
ثم تتحدث السورة عن أدوات الحياة التي وفرها الله للإنسان (سؤال الواقع): الحيوانات والأنعام ووظائفها المباشرة وغير المباشرة، ثم الماء والزرع، ومظاهر التنوع والجمال في الطبيعة والحياة: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: 12]. وتسخير البحر للطعام واستخراج حلي الزينة، وأهمية الجبال والأنهار والمسالك والطرقات، وعلم الفلك للاهتداء بالنجوم.
-
ثم تتحدث السورة عن أدوات الفعل الإنساني التي وفرها الله للإنسان: السمع والبصر والعقل والمعرفة. وتبشّر من أحسن استخدامها: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾، وتحذّر من يسيء استخدامها: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
-
ثم تتحدث عن دور الرسل في الهداية، وتصحيح الانحرافات عبر التاريخ البشري، وإعادة تصحيح البوصلة نحو الله، والدعوة لاجتناب الطغيان: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].
-
وتذكّر بنعم الله وحق الشّكر له والاعتراف بفضله وضرورة عبادته: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18].
ثم تعطي نماذج للمستكبرين وشرك الكفار وإنكارهم للنبوة، وتحذّر من نموذجهم. وتجمع في السياق بين الإيمان بوحدانية الله والإيمان بالآخرة: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: 22].
ثم تتحدث عن المشيئة الإلهية ومفهوم القضاء والقدر، وتنفي مفهوم الإجبار، وتقرّر أن الله يأمر عباده بالخير وينهاهم عن الشر، ثم يترك لهم حرية الاختيار.
ثم تتحدث عن موقع المرأة في المجتمع، وتصحّح المفاهيم الخاطئة حولها، وتدفع الظلم الذي كانت تعاني منه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58]. وتنبه على قيمة مؤسسة الأسرة والزواج كإطار سليم للحياة.
وتنبه على أهمية تكريس التعاون في إطارين:
-
إطار المجتمع بما يوفر للجميع الرزق وأسباب العيش الكريم: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: 71].
-
إطار الزواج وإنجاب الأبناء لضمان استمرار الحياة البشرية وعمران الأرض: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: 72].
ثم تشير لأهمية البيت والمسكن والملبس كضرورات للعيش الكريم، وتسخير الأدوات لذلك من الطبيعة التي وفرها الله في الأرض.
ثم تتحدث السورة عن سؤال الفعل والسلوك، وأهمية الأخلاق والنهي عن نقض الوعود، والأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي.
ست إشارات ختامية في السورة
وتختم السورة هذه الرؤية القرآنية بست إشارات هامة:
1. أن هذا الإطار العام لرؤية العالم هو الكفيل بتحقيق الحياة الطيبة في الأرض، وأن البشرية مأمورة باتباع هذه الرؤية لتحقيق وظيفة “عمران الأرض”: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].
2. أن الرافضين للالتزام بهذه الرؤية الربانية مآلهم الخسران في الدنيا والعقاب في الآخرة: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112].
3. أن المخالفين للرؤية القرآنية نوعان: مخالف مُعرِض جاحد، ومخالف مُكْرَه على ذلك: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106].
4. أن هذه الرؤية القرآنية ليست حكرا على أتباع الإسلام، بل هي إعادة إحياء لنفس الرؤية التي أوحى بها الله للأنبياء السابقين. وتذكر إبراهيم عليه السلام كنموذج أمثل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120].
5. أن البشرية ستشهد اختلافا كثيرا حول رؤية العالم، وأن الحل بالحوار لا بالحرب: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. وأن الصبر أفضل من رد العدوان بالعنف: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126].
6. تدعو المؤمن للالتزام باستحضار القرآن الكريم في حياته اليومية، لأنه الكتاب الذي يلخص له الرؤية السليمة للكون والعالم والحياة: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 98–99].
السورة إذن تشكّل خلاصة كاملة لرؤية العالم الإسلامية، بل وخلاصة أيضا للقرآن الكريم ذاته. وقد أتت في أسلوب فني بليغ وعميق في غير تعقيد، يفهمه الإنسان أيا كان عصره وزمانه وبيئته ومعرفته.
الحياة الطيبة في سورة النحل
نتوقف عند مفهوم “الحياة الطيبة”. يقول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. هذه الآية تقرر جملة من القواعد:
- أن البشرية تتكون من جنسين (ذكر وأنثى).
- أن هذين الجنسين متساويان في قاعدة العمل والجزاء، وفي صلتهما بالله، وفي جزائهما عند الله.
- وبالتالي فإن هذه المساواة في قاعدة العمل والأجر تقتضي التعاون بين الرجل والمرأة، ولا يمكنها أن تؤدي لمجتمع أبوي ذكوري.
- وأن المطلوب في الحياة هو أداء الدور والوظيفة بالشكل السليم (العمل الصالح)، من أجل البناء والإصلاح، وليس من أجل التدمير والإفساد.
- وأن هذا العمل الصالح وأداء الدور في الحياة يكفل، لمن يقوم به وللمجتمع، حياةً طيبة في هذه الأرض.
- وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة.
ماذا يقول علم النفس؟
علم النفس يهدف لتفسير آليات الطبيعة الإنسانية، وتشكّل الشخصية، ودراسة السلوك الإنساني. ويوجد اتجاهان رئيسيان في التحليل النفسي:
المدرسة الكلاسيكية (فرويد): تفسّر السلوك البشري بمفاهيم الغرائز واللاشعور والعُقَد الجنسية والحتمية البيولوجية. وتعتبر أن الإنسان كائن بيولوجي تتحكم فيه غرائزه.
المدرسة الحديثة (يونغ، آدلر، إيريك فروم): تفسر السلوك البشري بالعوامل الثقافية والاجتماعية والتعليم وتطوير الذات. وتعتبر أن الإنسان كائن اجتماعي، وأن الميل إلى الانتماء إلى جماعة أهم من الغرائز البيولوجية.
وسنركز على مدرسة آدلر باعتبارها الأكثر انتشارا وتأثيرا، وتمثل الأساس النظري لنظريات القيادة والتنمية البشرية وإدارة التغيير والبرمجة العصبية.
معنى الحياة عند آدلر
يرى آدلر أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا إذا عرف أن لحياته معنى. وهذا المعنى محصّلة جهد معقّد ومتراكم يبدأ منذ الرضاعة. وكثيرا ما يتغير المعنى من فرد لآخر، وحتى لدى الفرد نفسه من فترة عمرية لأخرى.
ويرى أن الحياة وضع اضطراري لا نختاره، فنحن نولد دون اختيار ثم نجد أنفسنا نعيش تحت ثلاثة ظروف اضطرارية:
-
الظرف الأول: أننا نعيش على سطح كوكب صغير جدا، ومجبرون أن نعيش في حدود ما يوفره من موارد طبيعية محدودة.
-
الظرف الثاني: أن ضعف الفرد ومحدودية قدراته تجعل من المستحيل تحقيق أهدافه بمفرده. ولذلك فكل فرد عضو في جماعة البشر المحيطين به، ووجوده مرتبط بوجودهم.
-
الظرف الثالث: إن الجنس البشري يتكون من رجل وامرأة، وبقاء الجنس البشري يعتمد على كليهما.
من هنا، يستنتج آدلر أن المشكلات الثلاث في حياة الفرد هي: العمل (الوظيفة/الدور)، العلاقة مع باقي أفراد المجتمع، والزواج. وأن الحل المشترك لهذه المشكلات هو “التعاون” وليس الصراع. وكل فرد يحقق “الحياة الطيبة” بمقدار نجاحه في “التعاون”، ويبتعد عنها بمقدار فشله وقصوره في “التعاون”.
المفاهيم الأساسية لنظرية آدلر
-
لا توجد حتميات بيولوجية، وإنما توجد غائية في حياة الفرد تجعله يسعى بفاعلية لتحقيق غايات وأهداف لبلوغ التميز والكمال.
-
الفرد كائن اجتماعي بالفطرة، وشخصيته تتشكل من خلال المعايير الأخلاقية والثقافية، بتأثير من الروابط والعلاقات الاجتماعية.
-
الإنسان لا يحتاج للاستقرار والهدوء بقدر ما يحتاج للكفاح والتوتر الإيجابي. والدافع الأساسي للتفوق ليس الجنس، وإنما مشاعر النقص والعجز هي التي تمثل الدافع في كل تقدّم بشري.
-
الفرد يحتاج للحب والعاطفة، وأغلب مشكلات الأسرة والزواج تعود لأخطاء في تعريف الحب ومقتضياته، أو أخطاء في فهم الدور الاجتماعي والنفسي للزواج.
-
الفرد يحتاج أيضا للاهتمام الاجتماعي ولا يستطيع الانفصال عن الالتزامات الاجتماعية. والميول الاجتماعية تعويض حقيقي يقوم به الفرد تجاه الآخرين بسبب ما يعانيه من ضعف ذاتي طبيعي.
-
يوجد لكل فرد مبدأ أساسي يحدّد أسلوب حياته ويفسّر خصوصيته وتميّزه عن بقية البشر. وهذا المبدأ يتحدد في مرحلة الطفولة المبكّرة.
وكما نرى، فإن أدوات علم النفس الفردي تلتقي كثيرا مع الإطار العام لمفهوم “الحياة الطيبة” في سورة النحل.
خاتمة: سبب تسمية سورة النحل
يقول تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 68–69].
ربما هي دعوة للانتباه لنمط حياة النحل وتنظيم مملكته القائم على التعاون والتكامل وعدم النزاع والخصومة من أجل إخراج أفضل ما فيه، أي العسل.
وربما هي إشارة أيضا بقوله تعالى ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ إلى أن الغائية في الحياة هي نوع آخر من الوحي، مثلما نرى الغائية في حياة النحل. فهي تشير إلى اتباع النحل لإرشادات إلهية فطرية لتنفيذ ما كلفت به بدقة: “اتَّخِذِي.. كُلِي.. فَاسْلُكِي.”