في عام 2004، أطلقت موقع “الوحدة الإسلامية” — منصة رقمية للحوار الإسلامي الداخلي بين التيارات المختلفة: السنة والشيعة والصوفية والسلفيين والإصلاحيين.

في غضون عام أصبح الموقع مرجعا يُزوره آلاف الباحثين والقراء المهتمين بهذا الحوار.

في عام 2007، أغلقت الموقع وأعدت بناءه تحت عنوان جديد: “موقع التنوع الإسلامي.”

هذا التحول لم يكن تغييرا في اسم — كان قلبا في المفهوم.

لماذا الوحدة وهم؟

بعد ثلاث سنوات من العمل على موضوع الوحدة الإسلامية، توصّلت إلى قناعة مؤلمة: “الوحدة” بالمعنى الذي يُتداول في عالمنا الإسلامي وهمٌ. وهم يُرضي الوجدان لكنه يُعمي عن الواقع.

ما كنا نُسمّيه “وحدة” كان في أحسن الأحوال هدنة مؤقتة — اتفاق على إيقاف الجدل لا اتفاق على حقيقة مشتركة. والمشاكل العقدية والتاريخية والمنهجية التي تفصل بين التيارات الإسلامية الكبرى حقيقية وعميقة ولا تزول بإرادة الوحدة.

وكل من دعا إلى الوحدة الإسلامية كان في الواقع يفعل واحدا من ثلاثة:

  • يُلهّي نفسه بخطاب مريح يتجنّب أسئلة صعبة
  • يُجمّل الخلاف بلغة تصالحية مشروعة لكنها ترفع الإشكال دون أن تُعالجه
  • يجهل حجم الاختلاف الحقيقي ويُدرك لاحقا أن ما بنى عليه هشّ

التنوع كحقيقة لا كمشكلة

حين قرّرت الانتقال من “الوحدة” إلى “التنوع” كان ذلك اعترافا بأن التنوع ليس مشكلة تحتاج حلا — هو حقيقة تحتاج فهما.

الإسلام الذي عاشه المسلمون عبر أربعة عشر قرنا لم يكن إسلاما واحدا موحّدا على مستوى التفسير والفقه والروحانية والسياسة. كان دائما تنوعا واسعا يجمعه عقيدة التوحيد والاعتراف بالنبوة — وعلى ما عدا ذلك اختلاف واسع وحقيقي.

والاعتراف بهذا التنوع لا يعني القبول بكل ما يندرج تحته. يعني أن نُقيّم كل موقف بحجته لا بانتمائه، وأن نُعامل الاختلاف كفرصة للفهم لا كخطر على الهوية.

موقع التنوع الإسلامي: 2007-2014

أمضيت السنوات التالية أبني موقع التنوع الإسلامي (muslimdiversity.net) كمنصة تُقدّم التنوع الإسلامي بوصفه ثروة لا تشتت. الموقع تناول مواضيع من قبيل:

  • تعدد التفاسير في التاريخ الإسلامي كظاهرة طبيعية
  • التمييز بين الثوابت العقدية والاجتهادات الفقهية المتغيرة
  • التعايش بين المذاهب والتيارات دون تنازل عن القناعات
  • النقد الداخلي المنهجي للتراث الإسلامي

في 2011 جاءت الثورة التونسية فاستوعبت اهتمامي الكامل. الموقع تراجع. وفي 2014 قررت إغلاقه.

ما بقي بعد الموقع

لكن الفكرة لم تمت بإغلاق الموقع. بل نضجت وتعمّقت. وما تجدونه اليوم في كتاباتي هو استمرار لهذا المسار: الدعوة إلى قراءة التراث الإسلامي بعيون تُقدّر التنوع وتميّز بين الوحي والتأويل، وتتعامل مع الاختلاف بالحجة لا بالإقصاء.

كتاب “بين الوحي والتأويل” الذي أُعلنت عنه مؤخرا هو في كثير مما يحمله امتداد لذلك الاكتشاف الأول في 2007: أن الطائفية الإسلامية تولد من خلط الوحي بالتأويل، وأن التمييز بينهما هو الطريق.

خاتمة

عشرون سنة من المشروع الفكري في هذا الميدان علّمتني أن الانتقال من الوحدة إلى التنوع ليس تراجعا — هو نضج. نضج القبول بالواقع على ما هو عليه بدل المطالبة بأن يكون غير ما هو. والتعامل مع التنوع الإسلامي الحقيقي باحترام وتدقيق أنجع بكثير من تجاهله باسم الوحدة المنشودة.

ما معنى التنوع كموقف فكري؟

التنوع كموقف فكري لا يعني نسبية الحقيقة — القول بأن كل الآراء متساوية. يعني شيئا مختلفا:

أولا:** الاعتراف بأن الحقيقة الدينية — مثل كل حقيقة معقدة — أكبر من قدرة أي تقليد أو مذهب على استيعابها كاملا.

ثانيا:** أن الاختلاف بين التيارات الإسلامية في كثير من مسائله ليس اختلافا بين الحق والباطل بل اختلافا بين قراءات متعددة لنص واحد من زوايا مختلفة.

ثالثا:** أن النقد الصادق لموقف خاطئ — حتى لو كان موقفا إسلاميا — أكثر خدمة للإسلام من الدفاع المطلق عن كل ما يُنسب إليه.

هذا الموقف ليس تنازلا عن القناعة — هو قناعة أعمق في مشروعية التعقيد.

الدرس الذي علّمه الوقت

حين أقارن بين ما كنت عليه في 2004 وما أنا عليه الآن، أرى نضجا حقيقيا: أقل يقينا بامتلاك الحلول الجاهزة، وأكثر صبرا على الأسئلة الصعبة، وأكثر احتراما لمن يُخالفني في الاجتهاد.

وأعمق الدروس هو أن من يبحث بصدق عن الحق — ولو عبر مسالك تختلف عن مسلكي — يستحق التقدير لا الإقصاء.