في تونس العاصمة مؤسسة اسمها “مدينة العلوم”. وبحكم استقراري في المهجر منذ فترة طويلة، لم يتيسر لي زيارتها لحد الآن. ولكنني زرت مركز العلوم بتورنتو الكندية (Ontario Science Center) فوجدته أعجوبة في تبسيط العلوم للعامة، وأثار في نفسي لذة ومشاعر طيبة، وفي ذهني أفكارا هامة. وتمنيت لو وُجد مثله في تونس.
يتكون المركز من مركّب ضخم بست طوابق، كل طابق فيه عدد من العلوم والقضايا العلمية: الطاقة والكهرباء، الميكانيك، الذرّة، الزراعة، الأغذية، الطب، علوم الفضاء، الجيولوجيا والمعادن، البيولوجيا، علم الأحياء، بداية الكون، الكواكب، الاختراعات الكبرى، نظرية الألوان، خلق الإنسان، تفسير أهم الأمراض، تشريح الأعضاء، وتفسير الظواهر العلمية والطبيعية.
مئات المواضيع بشكل مبسّط وفني وعملي يفهمه الكبار والصغار. وأغلبها في إطار ترفيهي وألعاب تطبيقية وشرائح ورسوم بيانية وفيديوهات، وأرقام وإحصائيات، ومسابقات خفيفة من قبيل “هل تعلم؟” و”اختبر ذكاءك” و”الحقيقة والخيال” و”الحقيقة العلمية أمام الأساطير الشائعة”.
وفي المعرض أيضا قاعة سينما فريدة تسمى (Omnimax) يتم فيها عرض أفلام وثائقية علمية رائعة. وشاشة العرض عبارة عن قبة ضخمة تحيط بالمشاهد، فتعطيه انطباعا بأنه داخل الفيلم وجزء منه.
وفي المعرض جناح دائم كبير خاص بتاريخ العلوم، عنوانه “سلاطين العلم”، من تمويل ودعم ثقافي من مركز نور الثقافي بتورنتو. ويعرض إسهامات العرب والمسلمين في تاريخ العلوم بشكل فني رائع ومبسط.
وقد أثارت فيّ هذه الزيارة تساؤلات حول ضرورة أن تهتم الدولة في تونس بإنشاء مشروع ضخم كهذا. وهذه الفكرة دعتني للتفكير بشكل أوسع في ما يعرف بـ”السياحة الثقافية”.
مفهوم السياحة الثقافية
تعرّف السياحة بأنها تنقّل إلى مكان خارج مقر الإقامة المعتاد، لمدة تتجاوز 24 ساعة ولا تتجاوز السنة، سواء لهدف ترفيهي أو مهني أو لزيارة الأهل أو الرغبة في اكتشاف ثقافات جديدة.
ويتضمن الاقتصاد السياحي كل ما يتعلق بأنماط تنقل المسافرين وطعامهم وإقامتهم والأنشطة التي ينخرطون فيها خلال سفرهم. وبهذا الكمّ الهائل من المنتجات والخدمات يمكن أن ندرك لماذا تمثل السياحة حاليا صناعة من أكبر الصناعات في العالم.
أما السياحة الثقافية فتوجد لها تعريفات مختلفة، نتيجة لتعدد تعريفات مصطلح “الثقافة”. ومن بينها:
-
السياحة الثقافية والتراثية: وتعتمد على المشاركة في نشاط ثقافي أو تراثي، بما يشكل مبررا ودافعا قويا للتنقل. ومن هذه الأنشطة: فنون الركح والفنون البصرية والمهرجانات والمتاحف والمواقع التاريخية.
-
حركة الأشخاص نحو المعالم الثقافية بعيدا عن إقامتهم المعتادة، ليعيشوا تجربة جديدة ويكتسبوا معارف أخرى.
-
السياحة الجغرافية: التي تركز على الطابع الجغرافي لبعض الأماكن، سواء فيما يتعلق ببيئتها أو مناخها أو هندستها المعمارية أو عاداتها.
وتشير جميع هذه التعريفات إلى أن السياحة الثقافية تضمّ مختلف التجارب التي يعيشها الزوار لاكتشاف ما يمثل طابعا متميزا لمكان ما.
ما يمكن توفيره في إطار السياحة الثقافية
المنتجات والخدمات التي يمكن توفيرها كثيرة ومتنوعة، منها:
- المواقع الثقافية والتراثية: المعارض الفنية، المتاحف، المسارح، الأماكن التاريخية، المراكز الثقافية، المساجد التاريخية، القصور الأثرية.
- الطرق: المسالك التاريخية والطرق ذات الطبيعة الجميلة.
- الخدمات ذات الطابع الثقافي: الإقامة، بيع الهدايا التذكارية والآثار، مطاعم، أماكن ترفيه.
- المناسبات: المهرجانات المحلية، الأسواق، مهرجانات الموسيقى والأفلام والمسرح.
- الزيارات الثقافية: زيارات القرى الأثرية ومواطن البربر، زيارة المصانع والمزارع، الأماكن العسكرية والآثار الجيولوجية.
- الأحياء التراثية: المنازل التاريخية، المباني والجسور، الطرق التاريخية والحدائق العمومية.
- المنتجات المحلية: الصناعات التقليدية، الأغذية، معاصر الزيتون، الهدايا التذكارية المصنوعة يدويا.
فوائد السياحة الثقافية
يمكن تلخيصها في ثلاثة أبعاد أساسية:
الفوائد الاقتصادية: تنويع الاقتصاد المحلي من خلال إنشاء مواطن الشغل والمؤسسات، واستقطاب الأموال وتوفير مداخيل جبائية، ودعم المؤسسات الصغيرة، والتحفيز على إنشاء المرافق العمومية وصيانتها.
الفوائد الاجتماعية: تحسين الصورة العامة لأهل المنطقة وتنمية شعورهم بالاعتزاز، وتوفير أطر للشراكات الإيجابية، وحماية العادات والتقاليد والثقافة المحلية، وتوفير فرص التعلم والبحث العلمي.
الفوائد البيئية: المساهمة في خلق ثقافة حماية للموارد المحلية، وتشجيع الأهالي والزوار على الوعي البيئي، وتنمية الشعور بأهمية المناطق والمحليات.
السياحة الثقافية والتراثية: هويتنا الكامنة في الزمان والمكان
تمثل السياحة الثقافية أحد أهم وسائل التواصل العالمي. ولذلك يجب أن تصبح أداة للتنمية المستدامة، مع الخضوع في نفس الوقت للقيم الأساسية مثل التعليم واحترام التنوع وحماية التراث.
ومن أجل الحفاظ على الطابع الإنساني للسياحة الثقافية، يجب أن تتوفر للزوار إمكانية أن يحملوا معهم بعض المشاعر والذكريات، وبعض المعارف والخبرات الجديدة، وأيضا بعض الصداقات. لهذا فمن الضروري حماية تراثنا المادي وغير المادي.
البحث عما يلائم واقعنا
تحتاج المجتمعات الراغبة في تنويع اقتصادها من خلال السياحة لأن تأخذ بعين الاعتبار تطور العقلية الاستهلاكية للمسافرين. فكثير من محبي الأسفار أصبحوا يبحثون عن: الأماكن الآمنة، والتجارب الفريدة وذات القيمة، والقدرة على “المشاركة” بدل الاكتفاء بـ”المشاهدة”، وإمكانية التعرف والتواصل مع الأهالي المحليين، والجودة بأسعار معقولة، ومنتجات فريدة وتجارب مكيّفة حسب الأشخاص.
مشاريع عملية لتونس
تونس تحتاج لتأسيس عدة متاحف وطنية موزعة جغرافيا على عدة ولايات كي تساهم في تنشيط السياحة الثقافية وخلق فرص العمل. ومن المشاريع المقترحة:
1. المتحف الوطني للثورة: يستعرض مفهوم الثورة وأحداثها ورموزها وأسبابها، مع مقارنات مع أهم الثورات في العالم.
2. المتحف الوطني لحقوق الإنسان: يتناول الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وتاريخ الرق في تونس ووثيقة القضاء عليه، ووضع المرأة التونسية، وحقوق الطفل.
3. متحف الذاكرة الوطنية: يعرض تاريخ الحركة الوطنية والشخصيات الوطنية والمعارك الكبرى، وتطور المعمار التونسي وتاريخ الدول والحضارات بتونس.
4. متحف الطبيعة.
5. متحف/مركز العلوم: يشمل الطاقة والكهرباء والميكانيكا والذرّة والزراعة والطب وعلوم الفضاء والجيولوجيا والبيولوجيا والاختراعات الكبرى.
6. مجسمات المعالم التونسية: على نمط متحف مينياتورك بإسطنبول.
7. متحف الحضارة العربية والإسلامية: يستعرض انتشار الإسلام والمخطوطات والخط العربي وتاريخ العلوم عند العرب والمعمار الإسلامي.