منذ بدايات التمدن البشري، سعت التكتلات السياسية والعقائدية، على اختلاف أشكالها من دولة وقبيلة وحزب، إلى امتلاك السلطة أو المحافظة عليها. وبسبب اختلاف القيم والمبادئ، تنشأ الصراعات والحروب بوصفها أحد أشكال التدافع من أجل بسط النفوذ الجغرافي أو فرض السياسات والإيديولوجيات. وكثيرًا ما يلجأ القادة والزعماء إلى فرض الهيمنة القهرية على أتباعهم، خشية انتقال النفوذ إلى شخص آخر أو إلى جماعات منافسة تسعى بدورها إلى الاستحواذ على السلطة.
وتُعد القوة العسكرية الوسيلة الأبرز لبسط النفوذ والحفاظ عليه وتوسيعه، غير أن هناك أسلوبًا آخر بالغ الأهمية يتمثل في التوظيف المقصود للأعمال النفسية. فالأعمال النفسية (Psychological Operations / PSYOPS)، كما يعرّفها بعض الباحثين، تشمل مختلف أشكال النشاط المخطَّط الرامي إلى التأثير في مواقف جماعة بشرية أو سياسية وسلوكها، من غير اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة. وقد تندرج هذه الأعمال ضمن العلاقات الدولية حين تسعى دولة إلى فرض إرادتها على دولة أخرى.
وقد تناول القائد العسكري الصيني صن تسو، الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، هذا المعنى في كتابه الشهير «فن الحرب»، حيث عرض فكرتين رئيسيتين: الخطط التكتيكية ووسائل التأثير. ومما نُسب إليه أن أمهر القادة هم الذين يهزمون عدوهم من غير قتال، ويدخلون مدنه من غير اقتحام، ويقلبون نظامه من غير خوض حرب طويلة.
ومن بين الوسائل التي أشار إليها هذا التراث الحربي القديم: تشويه صورة الزعامات، وتفكيك السلطة المركزية للخصم، والاستهزاء بقيمه وعاداته، وإثارة الفتنة بين أفراده، وإضعاف اقتصاده، ونشر الانحطاط الأخلاقي في صفوفه، واستعمال العناصر المنحرفة من داخله، وتربية شبابه على التمرد على الكبار.
ويميز بعض الباحثين بين نوعين رئيسيين من الأعمال النفسية: الدعاية والإجراءات الفاعلة. ويمكن أن نضيف إليهما التمثيل الإعلامي أو تشويه المعلومات بوصفه صنفًا ثالثًا؛ إذ قد يُستخدم في خدمة الدعاية والإجراءات الفاعلة، وقد يُستعمل لذاته كأداة مستقلة. وفي زمن الحروب، كثيرًا ما تتداخل هذه الأصناف الثلاثة لتشكل وحدة متكاملة، مما يجعل الفصل بينها أمرًا عسيرًا.
وفي هذا المقال نحاول التعريف بالأعمال النفسية، ثم نتوقف عند أحد أبرز أصنافها، وهو الدعاية، من خلال عرض أهم نماذجها واستعمالاتها.
أولًا: تعريف العمل النفسي
يمكن تعريف الأعمال النفسية بأنها: الاستخدام المدروس والمبرمج لمختلف أشكال الأفعال غير العنيفة، بقصد التأثير في مواقف الجماعات الأخرى وقناعاتها وسلوكها، سواء كانت معادية أو محايدة أو حليفة، بما يخدم المصالح الوطنية للجهة القائمة بها.
وعليه، فإن هذه الأعمال تستهدف وعي الجماعات وعواطفها وإدراكها، بقصد:
- تغيير قناعاتها تجاه نوايا الجهة الفاعلة.
- تعديل مواقف الشعوب والجنود.
- دعم جماعات أو حركات تخدم مصالح الجهة القائمة بهذه الأعمال.
وقد تتخذ الأعمال النفسية طابعًا هجوميًا أو دفاعيًا بحسب الجهة المستهدفة. فإذا وُجِّهت إلى جهة خارجية اتخذت صبغة هجومية، وإذا وُجِّهت إلى الداخل من أجل ضبط الرأي العام أو دعمه، أصبحت أقرب إلى الوظيفة الدفاعية.
ويرى بعض الباحثين أن الأعمال النفسية قد تكون أنجع من القوة العسكرية في تحقيق الأهداف لعدة أسباب، من أهمها:
- أنها أقل كلفة.
- أنها قادرة على تحقيق عدد أكبر من الأهداف بأدوات متنوعة.
- أن كل وضعية بشرية تقريبًا تحمل بعدًا نفسيًا قابلًا للتوظيف.
- أن الشعوب ترفض بطبعها استعمال القوة المباشرة ضدها، فتكون الأدوات النفسية أكثر قبولًا وأشد نفاذًا.
- أن زرع الخوف وفقدان الإحساس بالأمن قد يكون أشد أثرًا من مجرد استعراض القوة.
- أنها تمكّن من بلوغ بعض الأهداف من غير خسائر بشرية مباشرة.
- كما يمكن التخطيط لها وتنفيذها أحيانًا من غير أن يتفطن الخصم إلى حقيقتها.
ثانيًا: الدعاية
تُعرَّف الدعاية بأنها نوع من الاتصال غير العنيف يهدف إلى تغيير مواقف جماعة ما ومشاعرها وسلوكها وقناعاتها، خدمةً لجهة معينة، عسكرية كانت أو غير عسكرية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. كما تُعرَّف أيضًا بأنها مجموعة من المؤثرات الرمزية التي تحمل رسالة معينة وتنتقل عبر وسائل الاتصال المختلفة.
وقد تطورت تقنيات الدعاية الحديثة بصورة ملحوظة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. وعلى الرغم من التشابه بين بعض أساليب الدعاية وأساليب الإعلان التجاري، مثل دراسة الجمهور المستهدف وتحديد الرسالة المناسبة له، فإن الفرق الجوهري بينهما يتمثل في أن الدعاية تحمل مضمونًا سياسيًا أو عقائديًا أو مرتبطًا بالمصلحة العامة، بينما يظل الإعلان ذا مضمون تجاري في الأساس.
وتقوم الدعاية على التأثير في الإدراك: فهي تسعى إلى إعادة تشكيل الطريقة التي يفهم بها الفرد الواقع، ويحلل بها الأحداث، ويتخذ على أساسها مواقفه. فالمشتغل بالدعاية لا يريد فقط أن يزوّد الجمهور بمعلومة، بل يسعى إلى إعادة بناء آليات الفهم والتقييم لدى المتلقي، حتى ينتهي الأمر إلى مواقف وسلوكيات تخدم مصالح الجهة القائمة بالدعاية.
ولأن الدعاية تعتمد اعتمادًا واسعًا على المعلومة، فإنها تقترب أحيانًا من مفهوم التمثيل الإعلامي. فصاحب الدعاية قد يختار إبراز معلومات معينة، أو تأويلها، أو حجب معلومات أخرى قد تضعف رسالته. غير أن الفارق بين الدعاية والتمثيل الإعلامي أن الدعاية ليست قائمة بالضرورة على الكذب دائمًا؛ بل قد يكون قول الحقيقة، أو جزء منها، أكثر فعالية من اختلاق الأكاذيب. أما التمثيل الإعلامي، فإنه يميل بدرجة أكبر إلى صناعة صورة مضللة للواقع، وهو ما قد يفضي إلى فقدان المصداقية متى انكشفت الحقائق لاحقًا.
وقد ارتبطت الدعاية بسمعة سيئة، خاصة بعد الاستعمالات الشمولية التي عرفها القرن العشرون، حيث نظر إليها كثير من الباحثين بوصفها وسيلة لتلغيم العقول ومصادرة إرادة الشعوب. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن بعض صورها الحديثة قد تُصنَّف ضمن الاستخدام الإيجابي، كما في الحملات العامة للتحذير من أضرار التدخين، أو في الرسائل الحكومية الرامية إلى دعم الانتماء الوطني، أو التعريف بثقافة البلد في الخارج.
ثالثًا: نماذج الدعاية
1. نموذج تشاكوتين
يرى تشاكوتين أن نجاح الدعاية مرتبط بقدرتها على الاتصال بأحد الدوافع الكبرى للفعل الإنساني. وقد صنف هذه الدوافع في أربعة مجالات رئيسية:
- الميل إلى العنف.
- الرغبة في الرضا المادي.
- الرغبات الجنسية.
- الحب الأبوي.
وينطلق هذا النموذج من فكرة أن الإنسان قد يفقد قدرًا من وعيه النقدي عندما يقع تحت تأثير هذه الدوافع القوية، فيصبح أكثر قابلية للاستجابة لما يُعرض عليه من رسائل، إلى أن تتحقق حالة الإشباع.
وقد نبّه تشاكوتين كذلك إلى أهمية الرموز النفسية، مثل الشعارات المكتوبة والمرسومة، والأناشيد الثورية والوطنية. فالرمز، في هذا السياق، لا يؤدي وظيفة التمثيل فحسب، بل يتحول إلى مثير نفسي يستدعي الرسالة الدعائية كلما ظهر. ومن هنا تأتي قوة الشعار أو النشيد: فهو يشد الانتباه، ويوقظ الاستجابة الشعورية، ويعيد استحضار المعنى من غير حاجة إلى شرح مطول.
ويفترض هذا النموذج أيضًا أن فئة صغيرة من الجمهور، قد تقارب عشرة في المائة، لا تستجيب بسهولة للدعاية، ولذلك تحتاج إلى حجج قوية وأدلة مؤثرة. أما الكتلة الكبرى، فهي أكثر قابلية للتأثر، ويكفي غالبًا استمالة هذه الكتلة لتحقيق الغلبة في مواقف كثيرة.
2. نموذج الدعاية الفاشية
وضع كلايد مولر عددًا من القواعد التي تفسر آليات الدعاية الفاشية، ويمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
- بث الخوف والرعب داخل الجهة المستهدفة، ثم تقديم حلول تدريجية تعيد الإحساس بالأمن، بما يخدم مصلحة القائم بالدعاية.
- مزج الأفكار الصحيحة بأفكار أخرى شبيهة بها ولكنها غير صحيحة، حتى يجري تمريرها بسهولة.
- اختيار رموز وأفكار حاسمة وواضحة تتحول إلى شعارات مركزية.
- تعريض الجمهور للدعاية بصورة مستمرة ومتكررة.
- دعم الدعاية بأشكال من القوة تمنع بروز الأفكار المضادة.
- الاعتماد على المبالغة في تصوير الوقائع والأشخاص.
- تكييف الخطاب الدعائي بحسب طبيعة الجمهور المستهدف.
وعلى الرغم من أن هذا النموذج فقد بعض زخمه مع تطور وسائل الاتصال والمجتمعات الحديثة، فإن عددًا من آلياته ما يزال حاضرًا في الخطاب السياسي والإعلامي المعاصر.
رابعًا: الدعاية الاستراتيجية والدعاية التكتيكية
تنقسم الدعاية، بحسب الجهة المستهدفة وطبيعة الهدف، إلى دعاية استراتيجية ودعاية تكتيكية.
1. الدعاية الاستراتيجية
تستهدف الدعاية الاستراتيجية عادة الجماعات المدنية، وتمثل الصورة التقليدية للحرب السياسية. وهي تشمل مجموع الوسائل التي تُستخدم في ميدان الاتصال والسياسة القومية للتأثير في الشعوب، سواء كانت حليفة أو محايدة أو معادية، بقصد إقناعها بأن مصالحها تتحقق بصورة أفضل إذا تبنت وجهة نظر الجهة القائمة بالدعاية.
وتركز هذه الدعاية على الفئات غير المتشددة، أو تلك التي لم تحسم موقفها، وتسعى إلى التأثير البعيد المدى في قناعاتها. ولذلك فهي تُمارس بشكل متواصل ولمدد طويلة، وتُدعَّم بمضامين إعلامية متنوعة تسمح بإبراز نقاط القوة وإخفاء نقاط الضعف، بما يوهم الجمهور بأن مصالح الجهة القائمة بالدعاية منسجمة مع الرقي الإنساني والسعادة العامة.
وفي مستواها الدفاعي، تُستخدم الدعاية الاستراتيجية لتبرير السياسات الحكومية، ورفع المعنويات، وحشد التأييد الشعبي. وغالبًا ما يصاحب ذلك الحط من صورة الخصم، عبر تصويره في هيئة منحرفة أو عدوانية أو فاقدة للحكمة والشرعية.
ومن أبرز أهداف التمثيل الإعلامي في هذا السياق:
- حجب المعلومات عن الخصم أو تضليله بأخبار موجهة.
- التعتيم على الأخبار السيئة التي قد تؤثر في المعنويات الداخلية.
- المحافظة على الوتيرة الدعائية حتى بعد تحقق النجاحات، حمايةً للمكاسب وتمهيدًا لمرحلة جديدة.
- إخفاء الجرائم والانتهاكات التي قد تقع أثناء تنفيذ السياسات أو العمليات.
أما في مستواها الهجومي، فإن الدعاية الاستراتيجية ترمي إلى نزع الشرعية عن قيادة العدو، وتقويض إرادة شعبه، وإضعاف دعمه لحكومته. ومن هنا تأتي أهمية استهداف الجماهير المدنية في الدولة المعادية، لأنها:
- تؤثر في مواقف القيادة.
- تمثل قاعدة الإنتاج والعمل.
- قد تدعم تيارات المعارضة الداخلية.
- وتلعب دورًا حاسمًا في رفع معنويات الجنود أو إضعافها.
ويرى بعض الباحثين أن هذه الدعاية لا تكون ناجعة إذا اصطدمت مباشرة بالعقائد المركزية للمجتمع المستهدف، خاصة في الأنظمة المغلقة التي تُخضع الإعلام لرقابة صارمة. ولهذا يميل القائم بالدعاية إلى التأكيد على أن خصومته ليست مع الشعب، بل مع قيادته فقط. وهذا التفريق بين الشعب وقيادته يسمح بزرع الشك، وتمزيق الوحدة النفسية للمجتمع المعادي.
ويُقسِّم بعض الباحثين الدعاية الاستراتيجية إلى:
- دعاية بيضاء: يكون مصدرها معروفًا وصريحًا.
- دعاية سوداء: يُخفى فيها المصدر الحقيقي، بل قد يُزوَّر أصل الرسالة لإيهام المتلقي بأنها صادرة عن جهة موثوق بها.
وغالبًا ما تكون الدعاية البيضاء أنسب لأزمنة السلم، بينما تميل الدعاية السوداء إلى مزيد من الفاعلية في أزمنة الحرب، حيث يكون الجمهور أكثر حذرًا من الرسائل المعلنة المصدر. ومع ذلك، فإن للدعاية السوداء عيوبًا واضحة، منها:
- أنها تحتاج إلى وقت لبناء المصداقية.
- وقد تُضلل الرأي العام الداخلي للجهة القائمة بها.
- كما أنها تنهار تمامًا إذا انكشف مصدرها الحقيقي.
ولذلك، فإن نجاحها يقتضي أن تختلط فيها المعلومات الكاذبة بمعلومات صحيحة تكفل استمرار الثقة.
2. الدعاية التكتيكية
إذا كانت الدعاية الاستراتيجية تستهدف المدنيين على المدى البعيد، فإن الدعاية التكتيكية تستهدف أساسًا الجماعات العسكرية، وتُعرف في الخطاب الشائع باسم الحرب النفسية.
فهي توظف وسائل الاتصال المختلفة لدعم القوات المقاتلة، وإرباك العدو، وتغيير ميزان القوى نفسيًا، من خلال أساليب مثل:
- إبلاغ الخصم بإجراءات الاستسلام وشروطه.
- تهويل القدرة التدميرية للأسلحة المستخدمة.
- الإيحاء بحتمية الهزيمة.
- دعم القوى الحليفة نفسيًا ومعنويًا.
- التلاعب بأعصاب العدو وخلق حالة من القلق المستمر.
- تضييق الحركة على المدنيين بإنذارات وضغوط متكررة.
- إطلاق دعاية مضادة لما يروجه العدو، مثل الحديث عن حسن معاملة الأسرى أو المستسلمين.
ويلاحظ بعض الباحثين أن الدعاية التكتيكية ذات أهداف قصيرة الأمد، ولا تسعى بالضرورة إلى تغيير العقائد، بقدر ما تسعى إلى التأثير الفوري في القرار والسلوك. وهي ترتبط غالبًا بلحظات الاشتباك والانهيار والتراجع والانتصار، ولهذا فإنها تخاطب الجبهة المعادية أكثر مما تخاطب الداخل.
ولكي تنجح هذه الدعاية، فإنها تحتاج إلى جملة من الشروط، من أهمها:
- أن يكون مضمونها صادقًا أو قريبًا من التصديق، حتى لا تفقد أثرها.
- أن تقترن بالقوة الفعلية على الأرض، فلا تكون مجرد كلام معزول.
- أن تُستخدم في التوقيت المناسب، خاصة في لحظات الاختلال النفسي أو العسكري.
- أن تتجنب السخرية الفجة أو الرسائل غير المنطقية.
- أن تبتعد عن الخطاب الإيديولوجي المجرد، لأن الإيديولوجيا تكون أقل تأثيرًا على الجنود في اللحظات المصيرية.
- وألا تبالغ في استعمال التخويف المجرد، لأن الجنود مدربون أصلًا على التعايش مع الخوف أكثر من المدنيين.
خاتمة
يتبين من هذا العرض أن التوظيف الإعلامي والدعاية الموجهة ليسا مجرد أدوات ثانوية في الصراع السياسي والعسكري، بل هما جزء أساسي من منظومة الهيمنة والتأثير. فالقوة لا تُمارَس فقط بالسلاح، وإنما تُمارَس أيضًا بالكلمة، والصورة، والرمز، وانتقاء المعلومة، وصياغة الإدراك.
ومن هنا، فإن فهم آليات الدعاية لم يعد ترفًا معرفيًا، بل أصبح ضرورة فكرية وسياسية وأخلاقية، لأن المجتمعات التي لا تفهم كيف تُدار عقولها ومشاعرها، قد تجد نفسها موضوعًا للتوجيه والتلاعب من حيث لا تشعر.