“التكفير” مصطلح ذو وقع ثقيل في الوعي المسلم. يُحيل فورا إلى التيارات الدينية المتشددة التي تُخرج المخالف من الملّة. ولهذا حين يُقدَّم التكفير كظاهرة، يُفترض تلقائيا أن مصدره المتدينون.

لكن ما رصدته في السياق التونسي — ولا سيما في سنوات 2011 وما بعدها — هو أن لهذا الإقصاء وجها علمانيا أيضا. وهذا ما أُسمّيه “التكفير الديمقراطي الحداثي.”

ما هو التكفير الديمقراطي الحداثي؟

التكفير في أصله الديني يعني إخراج شخص من دائرة الإسلام بسبب موقف أو تصرف يُعدّ خروجا من الدين. الشخص المُكفَّر يُوصَف بأنه “خارج” الملّة — لا يُمثّل المجتمع الذي تُعرَّف بالانتماء إليه.

التكفير الديمقراطي الحداثي يتبع نفس الآلية لكن في لغة ديمقراطية: إخراج شخص أو تيار من دائرة الديمقراطية “الحقيقية” بسبب موقف أو انتماء يُعدّ بموجبه “غير ديمقراطي” — حتى لو التزم هذا الشخص أو التيار بكل الإجراءات الديمقراطية الرسمية.

الصيغة المتكررة: “هؤلاء لا يؤمنون حقا بالديمقراطية.” “إسلامهم مزيف.” “هم يستخدمون الديمقراطية لتدميرها.” “الصندوق وحده لا يكفي.”

المكوّنات الثلاثة

أولا: ادعاء احتكار تعريف المفهوم.** المُكفِّر الديمقراطي يدّعي أنه يملك التعريف الصحيح للديمقراطية، ويُخوّل نفسه تقييم من يقع داخلها ومن يقع خارجها. وهذا ادعاء سلطة غير معطاة لأحد.

ثانيا: الإقصاء عبر التأويل السيء.** كل موقف للطرف الآخر يُفسَّر بأسوأ الاحتمالات. حجة لصالح نقطة بعينها تُقرأ كـ”دليل على النية الخفية.” والتأويل السيء يجعل النقاش مستحيلا لأن الطرف الآخر محكوم عليه مسبقا.

ثالثا: الفزاعات:** بناء صورة مشوّهة للخصم ثم تبنّي هذه الصورة المشوّهة كما لو كانت حقيقية. “هم يريدون دولة طالبان.” “هم يريدون إلغاء الدستور.” حتى حين لا يوجد ما يُثبت ذلك.

لماذا يحدث هذا؟

يعود “التكفير الديمقراطي الحداثي” إلى ثلاثة عوامل متشابكة:

الخوف من الآخر: حين يكون الآخر مختلفا ثقافيا وأيديولوجيا بصورة حادة، والتوافق معه يتطلب جهدا حقيقيا وتنازلات، يبدو الإقصاء أسهل من الحوار.

التضامن الهوياتي المغلق: المجموعة التي تتعرّف على نفسها بمواجهة الآخر تحتاج دائما إلى حارس يُقرّر من “داخلها” ومن “خارجها.” وهذا يُنتج آلية التكفير بصرف النظر عن المحتوى الأيديولوجي.

ضغط الوقت والخوف من الخسارة: في مراحل الانتقال السياسي تنشأ حالة طوارئ نفسية: “نحن نُعيش لحظة تاريخية لا نستطيع أن نخسرها.” وهذه الاستعجالية تُخرج من معادلة القبول بالآخر ما يُعدّ ترفا.

الخروج من المرآة

المشكلة في التكفير — بكل أشكاله — أنه يجعل كل طرف يرى نفسه حارسا للحقيقة والآخر تهديدا لها. وهذا يستحيل معه أي تعايش حقيقي.

الخروج من هذه المرآة يستلزم:

الأول: الاعتراف بأن ادعاء احتكار تعريف الديمقراطية هو في ذاته موقف غير ديمقراطي.

الثاني: التمييز بين “هذا الشخص يختلف معي في فهم الديمقراطية” و”هذا الشخص عدو للديمقراطية.” الأول خلاف قابل للحوار. الثاني إعلان حرب.

الثالث: تطبيق معيار العدل بالتساوي: ما أرفضه من مغالطات في خطاب التيار الديني يجب أن أرفضه في خطابي أنا أيضا.

خاتمة

هذا النمط من الإقصاء الديمقراطي الحداثي يحمل خطورة كبيرة على الحياة المدنية، وإن اختلفت مفرداته عن التكفير الديني. كلاهما يُنتج إقصاء يستحيل معه أي نقاش حقيقي ويُغذّي الاستقطاب بدل معالجته.

والمجتمع الذي يُريد ديمقراطية حقيقية لا شكلية يجب أن يرفض هذا النوع من التكفير بأشكاله المتعددة — الديني منه والعلماني سواء.

أمثلة من السياق التونسي

في تونس بين 2011 و2019، كانت الفضاءات النقاشية تشهد بانتظام ما يلي:

  • حزب أو شخصية إسلامية تُلتزم قواعد اللعبة الديمقراطية علنا — لكن بعض “الديمقراطيين” يُصرّون على أنها “تخدع” وأن نواياها الحقيقية مختلفة.

  • مطالب بإقصاء الإسلاميين من بعض المناصب لمجرد انتمائهم، حتى حين لم يُرتكب أي خرق فعلي.

  • استخدام مصطلح “فاشي إسلامي” كما يُستخدم مصطلح “مُرتد” بالضبط — وسيلة إقصاء وليس وصفا.

والمفارقة أن هذا الإقصاء كان يجري أحيانا باسم الدفاع عن الديمقراطية من أشخاص لم يكونوا ليقبلوا نفس الإقصاء موجها ضدهم.

حين يُشرّح المرء خطابه هو

ما يستلزمه هذا الطرح شجاعة من نوع خاص: مراجعة الخطاب الذي نُنتجه نحن لنرى أين يقع فيه التكفير الديمقراطي.

هل نُطلق أحكاما قاطعة على نوايا الطرف الآخر؟ هل نُضخّم أخطاءه ونُقلّل أخطاءنا؟ هل نُضيّق الدائرة الديمقراطية بصورة تُبعد من لا يتفق معنا في كل شيء؟

هذه الأسئلة لا تستهدف طرفا بعينه — تستهدف كل من يُشارك في الفضاء العام بادعاء الديمقراطية.