الدولة التونسية تمتلك منذ سنوات ما لا تستطيع كثير من دول عربية المطالبة به: منظومة إلكترونية واسعة لتقنيات المعلومات في الإدارة العمومية. قرابة خمس عشرة منظومة معلوماتية طوّرها المركز الوطني للمعلوماتية تغطي ميادين الموارد البشرية والتوثيق المدني والمخزون والمهمات والتتبع المالي والمشاريع وسواها.
المشكلة ليست في غياب الأدوات. المشكلة في غياب الإرادة على استخدامها.
خمس عشرة منظومة موجودة
من أبرز المنظومات المتاحة:
إنصاف (Insaf): منظومة الموارد البشرية للوظيفة العمومية — بياناتها مكتملة نظريا عن كل موظف في الدولة.
آداب (Adab): منظومة متابعة الوثائق الإدارية.
مدينة (Madina): منظومة الحالة المدنية — تُديّن بيانات المواطنين.
مخزون (Makhzoun): متابعة المخزون في المؤسسات العمومية.
راشد (Rachid): تتبع المهمات والتنقلات الرسمية.
إضافة إلى منظومات للمتابعة المالية والمشاريع والأرشفة والخدمة المدنية وغيرها.
أربعة اختلالات متكررة
لكن المتابع الميداني يجد في هذه المنظومات أربعة اختلالات متكررة:
الأول: عدم الاستخدام. عدد من هذه المنظومات غير مستعمَل بالكامل أو مستعمَل جزئيا. أسباب متعددة: كسل، وتراخٍ، وخوف من كشف أخطاء شخصية حين تُسجَّل البيانات بدقة.
الثاني: الإهمال التقني. بعض المنظومات تحتاج تحديثا جوهريا في التقنية المستخدمة والمقاربة القانونية والحوكمة. بعضها يشتغل على تقنيات من التسعينيات في عالم تقدّم بشكل هائل.
الثالث: البيانات غير المحدَّثة. الموظف الذي لا يُدخل البيانات في وقتها يجعل المنظومة عديمة الجدوى. والغياب عن إدخال البيانات كثيرا ما يكون مقصودا لإبقاء المعلومة في يد حاملها لا في يد المنظومة.
الرابع: غياب لوحات القيادة. معظم هذه المنظومات تفتقر إلى dashboards — لوحات إحصائية تُتيح للمسؤول رؤية موجزة للوضع الكلي بدل الغرق في التفاصيل. والقائد الذي لا يرى بياناته مُجمَّعة يقود بلا رؤية.
الحقيقة الصعبة في الحوكمة الرقمية
الحوكمة الرقمية ليست مشكلة تقنية في جوهرها. 80% من المشاكل في الحوكمة العامة يمكن معالجتها بأدوات تقنية موجودة أو بسيطة التطوير.
المشكلة في الإرادة: من يملك السلطة اليوم كثيرا ما يُفضّل الغموض على الشفافية لأن الغموض يُعظّم قدرته على الاختيار والتوجيه والمحاباة.
نظام معلوماتي شفاف يُظهر من يعمل ومن لا يعمل، ومن يُنجز ومن يُماطل، ومن تُدفع له المكافآت ولماذا — هذا يُهدد كثيرا من الامتيازات غير المُعلنة.
خاتمة
الدولة التونسية تمتلك البنية التحتية الرقمية وتفتقر إلى ثقافة الحوكمة الرقمية. وهذه الثقافة لا تأتي بمرسوم بل بنموذج: قائد يقرر استخدام النظام بشفافية ويُقدّم على أساسه ويُحاسَب بموجبه. ذلك النموذج حين يظهر — ولو في تجربة واحدة — يُغيّر ما لا تُغيّره ألف لائحة.
مقارنة دولية: من نتعلم منه؟
ليس علينا اختراع النموذج من الصفر. ثمة تجارب دولية رائدة في الحوكمة الرقمية تستحق الدراسة:
إستونيا: دولة صغيرة حوّلت نفسها منذ التسعينيات إلى نموذج عالمي في الحكومة الإلكترونية. 99% من الخدمات الحكومية متاحة رقميا. والهوية الرقمية للمواطن تُستخدم في كل التعاملات من التصويت إلى قضاء الضرائب.
رواندا: استثمرت بعد أزمتها في بناء بنية رقمية حديثة للإدارة. وبعض مؤشرات حوكمتها الرقمية تتجاوز دولا أوروبية.
المغرب: قدّم في السنوات الأخيرة مبادرات جدية في التحول الرقمي الحكومي مع اعتراف بالفجوات الباقية.
الإمارات: استثمرت استثمارا هائلا في الحكومة الذكية وأصبحت مرجعا في بعض التطبيقات.
ما يُلاحَظ في كل هذه التجارب: نجاح الحوكمة الرقمية مرتبط دائما بقرار سياسي صريح من أعلى المؤسسة يُعطي التحول الرقمي أولوية حقيقية — لا خطابا فقط.
ما تحتاجه تونس تحديدا
انطلاقا من متابعتي للملف والمحادثات مع عاملين في الإدارة التونسية، أُقترح خمسة إجراءات عملية: