موقفي هو أن مثل هذه الجرائم لا تولد في فراغ: هي ثمرة إحباطٍ هائل ورغبةٍ في الانتقام تتغذّى من مشاهد مأساة غزة، ومن شعورٍ متراكم بأن العالم عاجز أو يتعامل بازدواجية معايير. حين تتراكم الصدمة والغضب، ومع خطاب ديني وسياسي مرتبك لا يفرّق بين نصرة المظلوم وبين استباحة الأبرياء، يضيع الميزان: تتحول العاطفة إلى اندفاع، ويتحوّل الغضب إلى فعلٍ أعمى يدفع ثمنه أناس لا علاقة لهم بما يجري.

وأنا كمواطن كندي أعيش هنا منذ 27 عامًا، رأيت بأم عيني كيف ينعكس كل حادث من هذا النوع على المسلمين في الغرب: فجأة تُشدَّد النظرة، ويتسع الشك، ويُفتح المجال لليمين المتشدد كي يقدّم نفسه “حاميًا”، وتجد اللوبيات الداعمة لإسرائيل مادة جاهزة لتقول: المشكلة ليست في سياساتنا بل في المسلمين… ثم تُضيّق الحريات، ويُخنق التعاطف مع فلسطين، ويتحول النقاش من وقف المأساة إلى تبرير العقاب الجماعي.

ومن زاوية دينية، المعيار قاطع: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أو فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}. نصرة غزة لا تكون بقتل أبرياء، بل بالوعي والكلمة والعمل السلمي والقانوني… لأن هذا وحده يخدم العدالة ولا يدمّرها.

ما يساهم في تضليل الناس سياسيا، اضافة للتضليل الديني، ما ينشره بعض رموز الفتنة في شبكات التواصل، وأحدهم كتب معاومات كاذبة مفادها:

((الهجوم استهدف حركة حباد–لوبافيتش الصهيونية وهي حركة صهيونية دينية، بدأت في روسيا وبولندا، ثم انتقل مركزها لاحقًا إلى دولة الاحتلال. وتُعد اليوم أهم حركة صهيونية دينية في العالم من حيث التأثير في الحكومات الغربية وصهاينة المهجر، وتقود حاليًا حملة دعاية واسعة لصالح دولة الاحتلال.

وتُعد مدينة بونداي، التي وقع فيها الهجوم، ثالث أكبر مركز لحركة حباد عالميًا بعد مركز الأراضي المحتلة ومركز واشنطن.. ويتمثل الهدف الأساسي للحركة في حشد اليهود إلى ما يُسمى أرض الميعاد، وتشجيع الهجرة، وتقديم دعم مالي كبير للمستوطنين، إضافةً إلى السيطرة على السردية في الإعلام الغربي؛ لحماية دولة الاحتلال وتبرير جرائمها.))

وتم نشر المنشور من قبل المئات من التوانسة والعرب والمسلمين، في حين أنه كاذب وتضليلي، ويهدف فقط لصناعة رأي عام عربي وإسلامي يبرر الجريمة ويقبلها ويتعاطف مع القاتل المجرم، ويصوره في صورة البطل..

حركة “حباد/لوبافيتش” تيارٌ حَسيدي (من اليهودية الأرثوذكسية).. ولديها مؤسسات تعليم ديني في دول كثيرة داخل المجتمعات اليهودية.

وما هو تضليلي وغير صحيح وصفها ك“حركة صهيونية دينية” كتوصيفٍ عام للحركة: وهذا توصيفٌ غير دقيق. مصادر متعددة تصف علاقة “حباد” بالصهيونية بأنها معقّدة/ملتبسة وليست حركة “صهيونية دينية” بالمعنى المعروف (تيار “الصهيونية الدينية” له تقاليد/تنظيمات أخرى).

وغير صحيح ما نقله الكاذب عن انتقال مركزها إلى دولة الاحتلال”.. المقرّ/الرمز المركزي العالمي للحركة مرتبط بمقرّها في بروكلين – نيويورك.

وغير صحيح أنها الحركة “الأهم عالميًا في التأثير على الحكومات الغربية وصهاينة المهجر”: الحركة لا علاقة لها باللوبي الصهيوني السياسي..

الحركة لديها فقط حضور اجتماعي/مؤسساتي واسع، ولها تواصل حكومي فقط في اطار العمل الاحتماعي المحلي..

وغير صحيح أنها قامت بحملة دعاية واسعة لصالح دولة الاحتلال.. هي فقط تقوم بحملات دعوية دينية.. ولا تشارك في أنشطة سياسية..

ردا على بعض التعليقات التي حذفتها او بلوكيت أصحابها..

نعم، الحاخام إيلي شلانجر كان من بين القتلى في هجوم سيدني. وتوجد مؤشرات علنية أنه شارك/تحدّث عن رحلة/بعثة “تضامن” إلى إسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023، ووُصفت بأنها شملت زيارة قواعد/جنود و”الصلاة مع جنود الجيش الإسرائيلي”، وهذا يمكن أن يُقرأ بوصفه اصطفافًا/دعمًا معنويًا.

ولكن هل هذا مبرر للقتل؟

مبدئيًا وأخلاقيًا (حتى قبل الدين): لا يوجد منطق عدالة يقول: “فلان يؤيد جيشًا إذن يجوز قتله في الشارع/في احتفال ديني”. هذا إعدام خارج القانون ونسفٌ لمبدأ أن العقوبة تكون على فعل ثابت وبإجراءات عدلية، لا بالثأر.

ثم إن الهجوم استهدف مدنيين مجتمعين لا “هدفًا عسكريًا”، فتبريره يعني تبرير قتل الأبرياء جماعيًا، وهذا بالضبط ما نرفضه حين يقع على غزة.

دينيًا: القاعدة الإسلامية هي تحريم قتل النفس المعصومة، وأن المسؤولية فردية: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، و(ومن قتل نفسًا بغير نفس… فكأنما قتل الناس جميعًا).

وحتى لو افترضنا جدلًا أن شخصًا ما دعم طرفًا في حرب، فهذا لا يبيح قتله كمدني خارج ساحة قتال، ولا يبيح استهداف من حوله.

سياسيًا وواقعيًا (لماذا هذا “يخدم” خصوم قضية غزة): تبرير قتل مدني يفتح الباب لقاعدة خطيرة: “كل من يساند طرفًا سياسيًا يمكن قتله”، وهذه تُحوِّل العالم إلى غابة وتُسهّل تبرير العنف المضاد.

كما أنه يقدّم “هدية دعائية” تُستخدم لتشويه أي تضامن مع فلسطين، ونقل النقاش من “وقف المأساة” إلى “تبرير القتل”..

بالمناسبة… هذا الجدل حول “مشروعية” مثل هذه الجرائم سيستمر، وسنجد دائمًا من يبرّرها أو يجمّلها أو يمجّدها، لأن البوصلة عند كثيرين صارت معطوبة: اختلطت السياسة بالدين، وذابت الحدود بين الغضب المشروع وبين استباحة دماء الأبرياء، وصار بعض الناس يحاكمون الأخلاق بمنطق “من معنا ومن ضدنا”، لا بمنطق الحق والعدل.

شخصيا، لا أملك ترفَ هذا العطب. عندي بوصلة أحاول أن أستقيم عليها مهما كان المزاج العام ومهما كان ضغط اللحظة: بوصلة ترفض قتل المدنيين مطلقًا، وترفض أن يتحول “القهر” إلى انتقام أعمى، وترفض أن تُختزل القضايا العادلة في رصاصةٍ أو سكينٍ أو حريق.

ولا أكتب هذا من باب الجدال، وإنما من باب مسؤولية المعرفة ومسؤولية الموقف:

  • إنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِين.

  • يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ.