في الماضي، كانت الغفلة تأتي من رتابة الحياة: يعيش الإنسان نفس الروتين فيفقد الإحساس بالمعنى بسبب التكرار.
أما اليوم، فتأتي الغفلة من العكس تمامًا: من فرط التنبيه. لا يملّ الإنسان لأنه مُنبَّه طوال الوقت — لكنه مُنبَّه بما لا يُنتج وعيًا.
والنتيجة غفلة من نوع جديد: لا غفلة الفراغ، بل غفلة الامتلاء — وعي مشغول بكل شيء إلا بما يهم.
التنبيه بلا وعي
الفارق بين الإنتباه والوعي جوهري. الانتباه فعل انعكاسي: يتحرك بردّ الفعل، نحو الصوت الأعلى والصورة الأبرز والخبر الأحدث. الوعي فعل إرادي: يختار ما يستحق، ويُهمل ما لا يستحق، ويُصفّي.
ما تفعله الأجهزة الرقمية الحديثة هو استنزاف الانتباه بصورة تُعطّل الوعي. كل تنبيه يُقاطع، وكل مقاطعة تُكلّف إعادة تركيز، والإعادة المتكررة تُنهك، والإنهاك يُسلّم الإنسان لما يُقرَّر له — لا لما يختاره هو.
المفارقة التاريخية
الأجداد كانوا يُعانون من شُح المعلومات وشُح الأحداث. الغفلة كانت تأتي من ضيق المدى. أما اليوم فالمعلومات وفيرة والأحداث لا تنقطع — والغفلة تأتي من اتساع المدى ذاته.
كأن الوعي الإنساني لم يُصمَّم لهذا الحجم من الإثارة المتواصلة. وحين يُكلَّف بما لا يحتمل، يلجأ إلى الإفراط في الاستجابة السطحية بدل الانتقاء العميق.
الخروج من الدوّامة
التحرر من غفلة الامتلاء لا يعني قطع الاتصال بالعالم. يعني استعادة القرار: أختار متى أكون متاحًا، وماذا أتابع، وإلى أي عمق أذهب.
التوقف عن الاستجابة لكل تنبيه ليس كسلًا. هو ضرورة لحماية الوعي من الاستنزاف الذي يُفرغه ببطء دون أن يُحدث فراغًا ملحوظًا — لأن الامتلاء بما لا يُفيد أقل وضوحًا كضرر من الفراغ.
ما يمكن فعله
الخروج من غفلة الامتلاء لا يستلزم العزلة أو قطع الاتصال بالعالم. يستلزم قرارًا يوميًا صغيرًا: أن أختار متى أكون متاحًا بدل أن أكون متاحًا دائمًا لكل شيء.
لحظة الصمت الواعي بين الإشعارات هي أكثر ثمينًا مما تبدو.