أرسل لي أحد الأصدقاء رسالة نقلها من الإنترنت، عنوانها: “إذا تم العقل نقص الكلام”. وساق فيها عشرات العبارات والأمثال العربية التي تمدح الصمت وتذم الكلام، من قبيل:

  • “لا خير في الصمت عن الحكم، كما أنه لا خير في القول بالجهل.”
  • “تكلموا تُعرفوا، فإن المرء مخبوء تحت لسانه.”
  • “قلب الأحمق في فيه، ولسان العاقل في قلبه.”
  • “الخرس خير من الكذب.”
  • “الصمت آية الحلم.”
  • “العاقل من عقل لسانه.”
  • “من أمسك لسانه أمِن ندمه.”
  • “من أطلق لسانه أبان عن سخفه.”
  • “لا عبادة كالصمت.”
  • “من كثُر كلامه كثُر سقطه.”
  • “كم من دمٍ سفكه فم.”

ردّي: إذا تم العقل بدأ الكلام

فأجبته قائلا: بل إذا تم العقل، بدأ الكلام.

الصمت رذيلة في العموم، ولا يصبح فضيلة إلا حين يعجز الإنسان عن قول الخير. والكلام فريضة في العموم، ولا يصبح رذيلة إلا حين يعجز صاحبه عن قول الخير.

والصمت لا يدل على الحكمة، بل قد يخفي حمقا لا مثيل له. بل الكلام هو الذي يدل على الحكمة. وكثير من الناس يصمتون ليس لحكمتهم، وإنما لخوفهم من افتضاح جهلهم، أو لكسلهم الثقافي.

الصمت موت والكلام حياة

الصمت موتٌ، والكلام حياةٌ. الصمت سكون، والكلام حركة. والسكون توقّف، والحركة تقدم. والصمت عجز، والكلام قدرة.

والإسلام يحث على العلم، ليس للصمت وإنما للكلام. والرسول صلى الله عليه وسلم أوجب الكلام على المؤمن، واعتبره دليلا على الإيمان، فقال: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا.”

الصمت أضعف الإيمان

أما الصمت في هذا الحديث (“أو ليصمت”)، فهو آخر حل للمؤمن حين يعجز عن قول الخير. ويخطئ من يظن أن هذا الحديث فيه حث على فضيلة الصمت. بل هو حث مطلق على فضيلة الكلام وفريضة الكلام.

والرسول صلى الله عليه وسلم وصف الصمت بأنه أضعف الإيمان، في حديث: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.”

والقرآن اعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعلى مراتب شعب الإيمان. فكيف نظن، والحال كذلك، أن الصمت فضيلة؟

الأمثال التي تكرّس الخمول الفكري

وأما الأمثال العربية التي تكرّس الخمول الفكري، وتنهى عن الحوار، وتمدح “رذيلة” الصمت كهذه التي تم ذكرها، فهي جزء من واقعنا الرديء الذي نعاني من تبعاته في أمتنا. فالثقافة التي تمجّد الصمت وتخاف من الكلام هي ثقافة تنتج مجتمعات خاملة، عاجزة عن النقد والمراجعة والإصلاح. والله المستعان.