في مطلع مرحلة الانتقال الديمقراطي التونسية، طُرح مطلب بالفصل بين الوظيفة الوزارية والوظيفة البرلمانية. وقُدّم هذا المطلب بوصفه ضرورة ديمقراطية لمنع تركّز السلطة وضمان فصل السلطات.
حين تأملت في هذا المطلب من منظور خبرتي بالنظام الكندي، وجدته مطلبا حزبيا مُسيَّسا أكثر مما هو ضرورة ديمقراطية. بل ذهبت إلى أن تطبيقه سيُضعف — لا يُقوّي — المحاسبة الديمقراطية.
كيف يعمل النظام الكندي
في كندا — كما في المملكة المتحدة وأستراليا وكثير من الديمقراطيات البرلمانية العريقة — يحتفظ رئيس الوزراء وجميع الوزراء بمقاعدهم في البرلمان وبصلاحيات النواب.
وهذا ليس استثناء ولا خللا — هو تصميم مقصود يقوم على منطق واضح:
أولا: المحاسبة المباشرة.** الوزير الذي يجلس في البرلمان يُمكن استجوابه مباشرة من البرلمانيين الآخرين. يحضر جلسات المساءلة ويُجيب عن أسئلة نواب المعارضة أمام كاميرات البث المباشر. هذا أقوى شكل من أشكال الشفافية.
ثانيا: الحضور في النقاشات.** الوزير الذي يُقدّم مشروع قانون يجلس في قاعة البرلمان ويستمع للانتقادات ويردّ عليها ويُعدّل في مشروعه. النقاش ليس نظريا — هو بين الوزير وممثلي الشعب المنتخبين مباشرة.
ثالثا: المسؤولية الانتخابية.** الوزير يُمثّل دائرة انتخابية. إذا أخفق في وظيفته الوزارية، ناخبو دائرته يُحاسبونه في الانتخابات التالية. وهذه مساءلة مزدوجة — من البرلمان ومن القاعدة الشعبية.
منطق الفصل وضعفه
الحجة لصالح الفصل بين الوظيفتين تقول: الوزير الذي هو نائب في الوقت نفسه يُقدّم مصلحة الحكومة على مصلحة دائرته الانتخابية، فيحدث خلط بين السلطتين.
لكن هذه الحجة تُغفل شيئا أساسيا: الاحتقان والتعارض بين مصالح الحكومة ومصالح الدوائر الانتخابية ظاهرة صحية في الديمقراطية. وهذا التعارض حين يجري داخل القاعة البرلمانية علنا أفضل بكثير من أن يجري خلف الأبواب المغلقة في اجتماعات حكومية سرية.
المطلب الحقيقي خلف الشعار
ما لاحظته حين طُرح هذا المطلب في السياق التونسي هو أن أصحابه كانوا في حقيقة الأمر يُريدون حكومة تكنوقراط — حكومة من خبراء تقنيين ليس لهم انتماء سياسي أو دائرة انتخابية أو قاعدة شعبية. والتكنوقراط أسهل في التحييد وأقل خضوعا للمساءلة الشعبية.
هذا لم يكن في تقديري مطلبا ديمقراطيا خالصا بقدر ما كان ميلا إلى تقليص السياسة لصالح الإدارة التقنية. وهذا خيار مختلف يستحق النقاش الصريح بدل تغليفه بشعار “فصل السلطات.”
الفصل حيث يكون ضروريا
لا أقول إن الفصل بين الوظائف مرفوض دائما. ثمة مواضع يكون فيها الفصل ضروريا ومُعمَّلا في الديمقراطيات المتقدمة:
- الفصل بين السلطة القضائية وغيرها: القاضي لا يُترشح ولا يُدار.
- الفصل بين الوظيفة المدنية والعمل الحزبي المباشر في بعض المستويات.
- الحواجز بين تنظيم القطاع ومصالح أصحاب القطاع.
لكن الفصل بين الوزير والبرلمان — في الأنظمة البرلمانية تحديدا — يُضعف المحاسبة لا يُعزّزها.
خاتمة
درس النظام الكندي، كما أفهمه في سياقه البرلماني الخاص، بسيط: الشفافية والمحاسبة لا تنتجهما الغيبة بل الحضور. الوزير الذي يُحاسَب في الغرفة المفتوحة أمام البرلمانيين وكاميرات البث أكثر خضوعا للرقابة من الوزير التكنوقراطي الذي يُدير شؤونه في غياب عن المنصة العامة.
وحين يُقدَّم مطلب تقني بلغة المبادئ الديمقراطية، الواجب هو الفحص الصادق: هل يُعزّز هذا المطلب المحاسبة فعلا؟ أم أنه يُبعّدها؟