كنت أرى في الالتزام الصارم بالسلوكيات الدينية ملاذا من الانحراف ومصدرا للهوية، فأغلقت الباب أمام ما كنت أعتبره “مشتّتات”. في تلك المرحلة، كانت علاقتي بالفن والموسيقى، وبالتنوع المذهبي والفكري، محدودة ومشوبة بالريبة والرفض.

مع مرور الوقت، تعرفت على التعدد الفقهي داخل الإسلام، وهذا الاكتشاف فتح أمامي نافذة أولى على التنوع، حيث لم يعد الفهم الواحد والحُكم الواحد هو المعتمد، بل وجدت مساحات من الاختلاف بين المدارس الفقهية.

ثم دخلت مرحلة التعرف على تعدد الجماعات الإسلامية: من الإخوان المسلمين إلى حزب التحرير إلى الطلائع الإسلاميةـ، ومن التيارات السلفية إلى الحركات ذات النزعة الثورية، ومن الدعوة والتبليغ إلى الطرق الصوفية. وكانت كل تجربة تكشف لي عن أفق جديد، لكنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة عن التناقضات بين هذه الاتجاهات.

المرحلة التالية أخذتني إلى ما هو أبعد: مواجهة التنوع العقائدي بين السنة والشيعة، ثم اكتشاف أن الإسلام إنما هو في واقع المسلمين “إسلامات متعددة”، نتيجة اختلاف الفهم والتأويل ونتيجة عدة عوامل منهجية وثقافية واجتماعية.. وأن “الإسلام السعودي” مثلا ليس هو نفسه “الإسلام الإيراني أو العراقي أو اللبناني”، أو حتى الإسلام التونسي والمغربي والليبي، إلخ..

في هذه المرحلة، بدأت أشعر بالحيرة المنهجية: النصوص والكتب التي أقرأها تكشف وجوهًا متناقضة للتاريخ والفقه الإسلامي، بما فيها الجوانب غير المضيئة التي قلّما يُتحدث عنها.

ومن هنا، توسع أفق التحدي ليمتد إلى التنوع الديني مع المسيحية، ثم التنوع الأيديولوجي مع الشيوعية والتيارات الفكرية الأخرى.

ولم يبق هذا الانفتاح في مستوى النصوص والمطالعات والحوارات فقط، بل انعكس حتى على ذوقي الفني والموسيقي. ففي مراهقتي الأولى، كنت أستمع إلى الأغاني التونسية والشرقية وأحفظها، ثم انقطعت عنها باعتبارها مبتذلة أو “حرامًا”. ورأيت في الأناشيد “الإخوانية” (أبو الجود، أبو دجانة، أبو راتب، الترمذي، ..) ثم السلفية، ملاذًا بديلًا.

ودام ذلك قرابة عشرين سنة، قبل أن يفتح الانفتاح الصوفي نافذة جديدة: الإنشاد الصوفي حيث يلتقي اللحن بالروحانية.

وبعد ذلك، عدت لأستمع بوعي مختلف إلى “أغاني الزمن الجميل”، فاكتشفت مجددًا أم كلثوم وجيلًا كاملاً من الفنانين في تونس ومصر ولبنان والعالم العربي. وهذه العودة لم تكن رجوعًا إلى الماضي بقدر ما كانت مصالحة مع الفن باعتباره تجربة جمالية وإنسانية.

وما ساعدني على تجاوز الحيرة والتناقضات لم يكن الانفتاح وحده، بل أيضًا تبني أدوات منهجية مستمدة من مساري الأكاديمي.

تعلمت أن أمارس التحليل النقدي بدل التسليم، وأن أوازن بين المصادر بدل الاكتفاء بمرجع واحد، وأن أستخدم مقارنة النماذج لتفكيك الظواهر الدينية والفكرية.

واكتسبت عادة طرح الأسئلة المنهجية: ما السياق؟ ما المرجعية؟ ما الافتراضات الخفية؟ وهكذا صرت أكثر عقلانية في التعامل مع القضايا الدينية والفكرية، بعيدًا عن الاندفاع الأيديولوجي. ولم أعد أبحث عن “إجابات جاهزة”، بل عن منهج يساعدني على فهم التعقيد، وهذا ما جعلني أشعر أنني أكثر رسوخًا في قناعاتي وأكثر قدرة على الحوار مع الآخر.

ثم كانت الهجرة إلى كندا محطة حاسمة في رحلتي. فهنا لم أواجه فقط التنوع المذهبي داخل الجالية العربية والإسلامية (سنة، شيعة، طرق صوفية، تيارات إصلاحية…)، بل تعرفت أيضًا على التنوع الديني الأوسع: المسيحيون بمذاهبهم، اليهود، اللادينيون، وأصحاب الديانات الشرقية.

هذا العيش وسط مجتمع متعدد الثقافات زادني وعيًا بأن الاختلاف ليس استثناءً بل هو قاعدة. في الجامعات وأماكن العمل والنقاشات العامة، أدركت أن الهوية يمكن أن تكون صلبة دون أن تكون منغلقة، وأن الحوار مع المختلف لا ينتقص من القناعة، بل يعمقها ويجعلها أكثر إنسانية.

اليوم، عندما أنظر إلى الرحلة، لا أراها مجرد انتقال من “التشدد” إلى “التحرر”، بل أرى فيها رحلة بحث عن الحقيقة والمعنى. كل مرحلة علمتني شيئًا: الانضباط، ثم التعدد، ثم الحيرة، ثم المصالحة. والنتيجة أنني صرت أكثر توازنًا: أقبل التنوع، أستطيع فهم الآخر حتى وإن رفضت معتقداته، وأستمتع بالفن مع وعي نقدي يميز بين ما يرتقي بالذوق وما يهبط به.

هي رحلة جعلتني أشعر اليوم أنني أكثر تصالحا مع الذات ومع الآخرين ومع العالم..

رحلة حولتني إلى إنسان قادر على الجمع بين الإيمان والعقل، وبين الهوية والانفتاح، وبين الحس الجمالي والوعي النقدي..

رحلة بحث عن الآيات (علامات الطريق) في الآفاق وفي النفس، حتى يتبين لي الحق..