بمناسبة مقال الأستاذ الباحث أحميدة النيفر حول الخطب الجمعية والفرص المهدورة، استرجعت تجربة قصيرة لكنها كاشفة: عرضت مشروعا لإصلاح الخطاب الديني على وزارة الشؤون الدينية التونسية، ولقيت ترحيبا متحمسا من وزير الوزارة. ثم، في لحظة واحدة، انهار كل شيء بسبب تعارض مصالح فاضح.

هذه القصة القصيرة تُلخّص حقيقة أعمق: الإصلاح الديني في تونس لا يُعيقه غياب الأفكار بل غياب الإرادة الحقيقية.

تشخيص الأزمة في عشر نقاط

قبل المشروع نفسه، قدّمت للوزير تشخيصا للأزمة:

أولا:** ثمة أزمة ثقة حادة في الخطاب الديني الرسمي بجميع مكوناته. المواطن التونسي — ولا سيما الشاب — لا يثق في ما يصدر عن المؤسسة الدينية.

ثانيا:** أكبر شريحة متمردة على الخطاب الديني الرسمي هي شريحة الشباب، الذين يشعرون بأن هذا الخطاب يُشبه المخدّر بدل أن يُعطيهم أدوات التفكير والتوجيه.

ثالثا:** الهوة بين الخطاب الديني وخطاب العلوم الإنسانية والاجتماعية في تعاملها مع نفس الموضوعات هوة واسعة ومُقلقة.

رابعا:** فقدان الشباب للمرجعية الدينية يدفعهم في اتجاهين متضادين كلاهما سيئ: إما التشدد والتطرف الذي يُقدّم يقينا كاذبا وهوية قوية، أو الانسلاخ التام.

خامسا:** الخطاب الديني في تراجع مستمر في قدرته على مخاطبة الطبقة المتعلمة والمثقفة.

سادسا إلى عاشرا: نقاط أخرى تتعلق بالتأهيل العلمي للخطباء، وإشكاليات التمويل، والعلاقة بالمؤسسات التعليمية.

المشروع المقترح في سبعة محاور

المحور الأول: اشتراط التأهيل الجامعي في الخطباء. لا منبر بلا تحضير علمي حقيقي. واستبدال الخطيب “المتقاعد” بخطيب يملك أدوات الفكر المعاصر.

المحور الثاني: إعطاء الأولوية لفقه المقارنة لا الاختزال في مذهب واحد. المسلم المعاصر يُخاطَب بخطاب متعدد الأدوات.

المحور الثالث: المحورية القرآنية. عودة الخطاب الديني إلى القرآن كمرجع أول وأساسي لا إلى تراث التأويلات فقط.

المحور الرابع: اشتراط معرفة العلوم الإنسانية والاجتماعية والنفسية في تأهيل الخطباء والمرشدين.

المحور الخامس: الموسوعة الإسلامية الرقمية متعددة التخصصات. بناء قاعدة معلومات إسلامية شاملة ومحكّمة تجمع الفقه والتفسير والتاريخ والعلوم المعاصرة.

المحور السادس والسابع: آليات التقييم المستمر والمتابعة والتطوير.

الوزير الذي أعجبه المشروع ثم…

الوزير استقبلني بانفتاح. واستمع للتشخيص والمشروع. وأبدى تحمّسا حقيقيا أو ما بدا كذلك.

ثم جاء سؤال التمويل. وكان الجواب: “لدي جهة يمكنها تمويل هذا المشروع.” ثم ذكر جهة كان له فيها ارتباط مؤسسي ومصلحي واضح.

وضعت أوراقي في حقيبتي، وشكرته على وقته، وخرجت.

ماذا تُعلّمنا هذه القصة؟

تُعلّمنا أن الإصلاح الديني في الدولة العربية يصطدم بعائق لا يُشبه العائق الفكري: إنه عائق المصالح المتداخلة. المؤسسة الدينية الرسمية ليست فقط مؤسسة دينية — هي أيضا شبكة مصالح وعلاقات نفوذ.

الوزير الذي أعجبه تشخيصي كان يبحث في الوقت نفسه عن توظيف أي مشروع إصلاحي لخدمة شبكته. والإصلاح الحقيقي — الذي يُخلخل البنية القائمة — ليس في مصلحة من يدير هذه البنية.

السؤال الأعمق: هل يمكن للدولة أن تُصلح الخطاب الديني؟

هذا السؤال يستحق وقفة طويلة. الدولة تحتاج إلى المؤسسة الدينية لتعظيم الطاعة وتهدئة الاحتجاج وإضفاء الشرعية على قراراتها. وبالمقابل، المؤسسة الدينية تحتاج إلى الدولة للتمويل والحماية والنفوذ.

هذا التحالف الضمني يجعل الإصلاح الديني من داخل المنظومة الرسمية أمرا عسيرا. من يُصلح البنية يُضعف بالضرورة أحد طرفي هذا التحالف.

الإصلاح الحقيقي جاء في التاريخ الإسلامي في الغالب من خارج المؤسسة الرسمية: علماء مستقلون، وحركات فكرية، وأفراد شجعاء قرروا أن يتكلموا بالحق حتى بثمن شخصي.

خاتمة

تلك اللقاء القصير مع وزير كان كلامه جميلا وسؤاله عن التمويل كاشفا — كافٍ لأن يعلّم درسا: لا ينبغي للمصلح أن يُراهن على الدولة وحدها لتغيير خطابها الديني. الإصلاح يحتاج مصادر مستقلة — فكرية ومالية وأخلاقية. بدون الاستقلالية، يُمتصّ الإصلاح في المنظومة ويفقد معناه.

ما الذي يمكن عمله خارج المنظومة الرسمية؟

رغم خيبة الأمل في التجربة الحكومية، ثمة مسارات أخرى لإصلاح الخطاب الديني لا تمر بالضرورة عبر وزارة الشؤون الدينية:

أولا: المبادرات المدنية المستقلة.** مراكز التكوين والبحث الإسلامي المستقلة ماليا — وإن كانت نادرة — تُنتج أثرا أعمق وأكثر استمرارا من المشاريع الحكومية.

ثانيا: الفضاء الرقمي.** المنتج الفكري الديني الجاد على الإنترنت — مقالات وبودكاست ومحاضرات — يصل اليوم إلى جمهور لا تصله خطبة الجمعة. وهذا فضاء حر من القيود المؤسسية.

ثالثا: المساجد المستقلة.** بعض المساجد في المهجر ومنها في كندا تعمل باستقلالية عن المؤسسة الرسمية وتُتيح للخطيب المستقل أن يُجرّب نماذج مختلفة. هذه التجارب تستحق التوثيق.

رابعا:** الكتابة المنهجية والتأسيس النظري للإصلاح الديني بأسماء حقيقية وبتحليل صريح — وهذا ما أُحاول القيام به في مقالاتي.