ما حدث بعد تدوينة الحبيب بوعجيلة Bouajila Habib ليس حادثًا عرضيًا، بل هو مرآة مكبّرة لظاهرة أوسع: رفض قطاع واسع من القواعد النهضوية لأيّ نقد يتناول تجربتهم، مهما كان متزنًا، ومهما كان صادراً من موقع غير استئصالي، بل أحيانًا من أقلام عُرفت بتفهمها للفضاء الإسلامي ومناهضتها للانقلاب (وقلت يوم أمس، أن مقال بوعجيلة لم يكن نقدا للنهضة، وإنما هكذا شُبِّه للنهضويين).

هذه الظاهرة تتكرر منذ سنوات، وتكشف عن أزمة نفسية وتنظيمية وثقافية في آن واحد؛ أزمة في طريقة التعامل مع الذات قبل طريقة التعامل مع الخصوم؛ وردود أفعال متشنجة تفضح مجموعة من العقد النفسية والذهنية المتراكمة والمستشرية.

ردّة الفعل الانفعالية المتكررة

جزء معتبر من القواعد النهضوية (وحتى من المتعاطفين غير المنتمين تنظيميًّا) لا يتلقى النقد كأداة تصحيح، بل كعدوان رمزي. وهذا يعود - في تقديري - إلى عنصرين متداخلين:

  • الهوية كدرع وجودي: فبعد سنوات من الشيطنة والإقصاء، لم تعد النهضةُ – في وعي كثير من أنصارها – مجرّد حزب سياسي يمكن أن يخطئ ويصيب، بل تحوّلت إلى رمز للبقاء في وجه المنظومة القديمة وكل مشاريع الاستئصال.

وهكذا، يصبح نقد النهضة، أو نقد أدائها السياسي، مقروءًا فوراً بوصفه نقدًا لـ“نحن”، للانتماء نفسه، لا بوصفه محاولة لفهم مسار وتجربة.

  • الانغلاق النفسي بعد تجربة السقوط: من الطبيعي أن تعيش الحركات التي تعرّضت للقمع والخيبة حالة دفاع دائم عن الذات.

لكن حين يتحول هذا الدفاع إلى نظام إدراك ثابت، يصبح أيّ نقد - خصوصًا إن صدر من شخص غير معادٍ للإسلاميين - نوعًا من “الخيانة المعنوية”، ويُردّ عليه بالغضب، لا بالحوار.

من هنا يمكن فهم حدّة الانفعال تجاه تدوينة الحبيب بوعجيلة: فهو ليس نهضويًّا، وإنما إعلامي وسياسي مخضرم لم يُعرف بخطاب استئصالي، بل كثيرون من الإسلاميين رأوا فيه، في مراحل مختلفة، صوتًا متفهّمًا لقضاياهم.

لذلك يُستقبل نقده – أو قراءته لموقع النهضة في الحراك - كطعنة من “جهة قريبة”، لا كخلاف رأي سياسي عادي.

لماذا يحدث هذا: ثلاثة أسباب بنيوية

الصديق عبد الرزاق حاج مسعود Abderrazak Haj Messaoud أرجع الظاهرة إلى “الأمّية السياسية” لجمهور واسع من قواعد النهضة، وهذا تشخيص له وجاهته، لأنّ النظام التعليمي والإعلامي في تونس أنتج فعلًا أجيالاً شبه متمدرسة وشبه أمية. لكن اختزال الظاهرة في هذا البُعد غير كافٍ للأسباب التالية:

  • لأننا نرى ردود الفعل نفسها – أو شبيهة بها – عند بعض النخب “المتعلمة” والوجوه الناشطة، لا عند القواعد وحدها.

  • ولأنّ البذاءة أو العنف اللفظي ليسا مقتصرين على “العامة”، بل نجد لهما أصداء في اصطفافات وتلميحات وإيحاءات تصدر عن شخصيات قيادية أو قريبة من القيادة، حتى وإن بلغة أكثر تهذيبًا.

المشكل إذن أعمق من مستوى التعليم، ويتعلق بثلاثة عوامل بنيوية تقريبًا:

  • ثقافة الطاعة الموروثة عن التنظيم الدعوي: هذه الثقافة نشأت في سياقات السرية والملاحقة، فأنتجت نمطًا من الانضباط يُنظر فيه إلى “التمايز” الفكري أو النقد العلني بوصفه تهديدًا لوحدة الصف، لا بوصفه جزءًا من نضج التجربة. ومع الوقت تحوّل هذا الإرث إلى آلية تلقائية: “إذا انتقدت القيادة، فقد مسست الجماعة”.

  • غياب التربية النقدية داخل الفضاء الإسلامي: النقد في كثير من الأحيان يُمارَس كردّ فعل تكتيكي (بعد سقوط أو أزمة) لا كثقافة دائمة. ولا توجد تقاليد راسخة للمناظرة الحرة، ولا مساحات مؤطرة يحقّ فيها للعقول النهضوية والإسلامية أن تقول: “أخطأنا هنا وهنا”، دون أن يُشكَّك في ولائها.

  • ترسّخ الذهنية الوعظية: هذه الذهنية تخلط بين النصّ المقدّس والرأي البشري، وبين الاجتهاد السياسي والفتوى الشرعية. وحين تصبح الخطوط السياسية والأولويات الانتخابية أو التحالفية ملبّسة بلغة “الشرع” و“الموقف المبدئي”، يضيق هامش الاعتراف بالخطأ؛ لأنّ التراجع يبدو – نفسيًّا – كأنه تراجع عن الدين لا عن قراءة بشرية للدين.

وسائل التواصل تضاعف الحدّة

وسائل التواصل الاجتماعي تضاعف من حدّة الظاهرة: الردود سريعة، عاطفية، وغير متروية؛ والخوارزميات تكافئ الجملة الانفعالية لا الفكرة المتزنة؛ والتدوينة التي يُشمّ منها نقد “من موقع قريب” تُستقبل كطعنة مضاعفة.

في هذا الفضاء، من الطبيعي – وإن كان غير مقبول – أن يكون ردّ الفعل على بوعجيلة أعنف من ردّ الفعل على خصم علماني صريح؛ لأنّ “الناقد المتفهّم” يُعتبر في المخيال الجمعي أكثر خطرًا من الخصم الواضح: الخصم واضح موقعه، أما هذا فقد “كسر صورة الضحية” وهو يرفض شيطنتها من جهة وينتقدها من جهة أخرى.

وأنا نفسي عشتُ – بعد استقالتي من النهضة سنة 2013 – تجربة مشابهة من “الردّ الغاضب”، حيث تحوّل النقد المرتبط بالتجربة إلى ما يشبه الجريمة الرمزية في نظر كثيرين. مما عرّضني للسحل والسلخ أمام مرأى أصدقاء صامتين كثيرين حتى من داخل النهضة..

ليست ظاهرة حكرًا على النهضة

من المهم الإقرار بأنّ ما نصفه هنا ليس حكرًا على النهضة أو على الإسلاميين. فاليسار التونسي، والتيارات القومية، بل وأحزاب المنظومة القديمة نفسها – جميعها تعاني من المرض ذاته تقريبًا: تقديس الزعامة أو “الخط التاريخي”، وشيطنة المراجعة، واعتبار الناقد خائنًا للطائفة/الحزب/الخطّ لا ناقدًا لمسار.

نحن أمام أزمة ثقافة سياسية عربية، لا أمام عطب إسلامي خالص. غير أنّه من حقّ التونسيين – ومن حقّ الإسلاميين أنفسهم – أن يتوقعوا من حركة عاشت تجربة الحكم، ورفعت شعارات الحرية والديمقراطية، أن تكون أكثر حساسية تجاه النقد، لا أقلّ.

النهضة، كسائر الأحزاب والحركات، تحتاج إلى أن تتحوّل من منطق “الدفاع الغريزي عن الذات”، إلى منطق “الاعتراف المنظم بالأخطاء”. وهذا لا يحدث عبر المواعظ العامة، بل عبر ترتيبات عملية، يجب التفكير فيها بشكل عملي.

وللقيام بذلك، يجب أن يطرح النهضويون على أنفسهم هذا السؤال الجوهري: هل ثقافة الطاعة والذهنية الوعظية ورفض النقد في الفضاء الإسلامي مجرد انحراف طارئ يمكن إصلاحه بتغيير الأشخاص والمناهج؟ أم أنّها جزء من البنية التاريخية للتنظيم الحركي الإسلامي كما تشكّل في نصف القرن الأخير؟

إن اعتبرناها انحرافًا، فالحل يكون بالمراجعات، وتجديد الصفّ القيادي، وإدخال التربية النقدية إلى قلب المشروع.

وأما إذا كانت مكوّنًا بنيويًّا في نموذج “الحركة/الجماعة الرسالية”، فإنّ الإصلاح الحقيقي قد يحتاج إلى قفزة نوعية: إعادة تعريف العلاقة بين الدعوي والسياسي، بين الديني والبشري، وبين “الجماعة” و“المجتمع”.

هذا السؤال لا أملك له جوابًا جاهزًا هنا، لكنّ تجاهله يعني إعادة إنتاج الظاهرة نفسها عند كل أزمة، مع كل جيل.