قاعدة بسيطة في الخلاف الديني والسياسي: “لا أحد فوق النقد، ولكن لا أحد يستحق الترذيل”

كثيرًا ما يخوض شخص في قضايا دينية أو فكرية أو سياسية دون إعداد معرفي كافٍ أو تأمل منهجي رصين. ووقت يصادف رأي غير مألوف له، أو مغاير لما تعوّد عليه، يسارع إلى الاتهام: “هذا يتكلم فيما لا يعلم”، أو “يحب الظهور”، أو “يفلسف الأمور بلا داع”.

والمفارقة أن من يطلق هذه الأحكام الجاهزة، قد يكون هو نفسه من يخوض في ما لا يعلم، فقط لأنه ظن أن العادة تكفي ليكون المرء حَكَمًا على ما يُقال.

وأنا لا أستثني نفسي من النقد، بل أقرّ أن من حق أي شخص أن يختلف معي، ويناقشني، بل ويرفض طرحي إن شاء. ولكني أدعو إلى أن نتفق أولًا على قاعدة منهجية بسيطة: لنفرّق بين الرأي المؤسَّس، والرأي المرتجَل.

لماذا أتكلم؟ وبأي حق؟

كررت عشرات المرات أنني لا أُقدّم نفسي باعتباري عالمًا أو مرجعًا، لكنني لا أتكلم من فراغ، بل من مسار طويل اجتمعت فيه:

الخبرة الأكاديمية والمهنية في تحليل الأعمال وتكنولوجيا المعلومات، وهو مجال علّمني التحليل المنهجي، وفهم السياقات، والربط بين الظواهر والأنظمة.

الدراسة المتواصلة لعلم المنطق، ليس فقط في المناهج الدراسية، بل كممارسة عقلية تعلّمت بها كيف أميّز بين ما أفكر فيه وما أتوهمه.

تجربة عشرين سنة من خطابة الجمعة وإلقاء المحاضرات الفكرية والدينية، خاطبت فيها جمهورًا واسعًا ومتنوعًا، واختبرت فيها الأفكار في ساحات الناس والواقع. ولم أخاطب فيها فقط الجمهور العام، وإنما حتى جمهور متخصص، في الدراسات القرآنية، والدراسات الفقهية، والدراسات اللغوية، وعلم الاجتماع، والعلوم السياسية، وكان هناك دائما تقدير لأفكاري ومنهجيتي في الطرح.. وبعضها في موتمرات أكاديمية ببحوث محكَّمة في الدراسات التكنولوجية والدراسات القرآنية والدراسات اللغوية.. يعني كانت فضيحتي تكون بجلاجل لو خضت في قضايا لا أتقنها.. ومع ذلك، جاءتي تقدير واسع في كل المشاركات..

دراستي الأكاديمية العليا في العلوم الإسلامية (ماجستير غير مكتمل)، التي زوّدتني بأدوات علمية لفهم النص، وتاريخ الفكر، ومناهج المدارس المختلفة.

نشري لمقالات أكاديمية، ومشاركتي في مؤتمرات دولية، مما أتاح لي الانفتاح على تجارب متعددة ومقاربات متنوعة.

لم أزعم ولو يوم واحد في حياتي امتلاك الحقيقة (لست مغرورًا بما يكفي للتفكير بهذه الطريقة)، ولكني أزعم (بتواضع وبإصرار) أني ما نخوضش في القضايا جزافًا، وما نعبّرش عن رأيي بنَفَسٍ شِعاراتيٍّ أو عاطفي. بل أتكلم بمنهج، وأسأل نفسي قبل أن أتكلم: هل ما سأقوله يستند إلى معرفة؟ هل راجعت المفاهيم؟ هل احترمت السياق؟…

ورغم ذلك… لا أسْلّم من الانتقاص..

أتعرض بشكل شبه يومي للانتقاص، والسخرية، والاتهام من هنا وهناك (وأغلب هذا الانتقاص يصدر عن أشخاص يبدو جليًّا أنهم لا يملكون الخبرة التي تؤهلهم للخوض في جدالات معرفية)، لمجرد أنني أختلف، أو أطرح الأمور بأسلوب غير مألوف.

يُقال عني إنني “أُعقّد”، أو “أتفلسف”، أو “أريد أن أظهر بمظهر العارف”. وكل الحالات تقريبا، لا تُناقَش الفكرة، بل تُهاجَم النية، ويُهاجَم الشخص، ويُشكَّك في المقصد.

شخصيا، تعلمت أن الهدوء لا يعفيك من النقد، وأن المنهجية لا تحميك من التشويه. وقد يكون عمق الطرح في مجتمعات تعوّدت على السطحية سببًا كافيًا ليُنظر إليك بشكّ أو استهزاء.

ورغم ذلك، ما تعودتش أنني نحيد. لأني ما نتكلمش باش نرضِّي، وإنما باش نعبر عن رأيي كما أريد، وللمساهمة، ما استطعت، في ترشيد التفكير، وفتح أفق النقاش.

وبالمناسبة، المشكلة ليست فقط في قضايا الدين.. بل في ثقافة الحوار نفسها.. وما أراه بوضوح اليوم هو أن الإشكال لا يتعلق فقط بالقضايا الدينية، بل يمتد إلى الحوارات السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية. ثمة حالة من التشنّج العام، والرغبة في ترذيل المختلف بدل محاورته، وتفشي عقلية “من ليس معي فهو ضدي”.

كأننا أصبحنا لا نحتمل أن يكون للآخر رأي مختلف، أو زاوية نظر غير زاويتنا، أو مفردات غير مألوفة لنا. وهذا، في نظري، من أخطر ما نواجهه اليوم: انهيار ثقافة الحوار، وسيطرة ردود الفعل على حساب التفكير.

لهذا دعوتي الأساسية ليست إلى أن نتفق على كل شيء، بل أن نتفق على شيء واحد: احترام الرأي المؤسَّس، ومحاورة المختلِف باحترام، والنقد بأدب، والتساؤل بصدق.